حين تتراجع التربية وتتقدم التكنولوجيا: من المسؤول عن تشكيل وعي الأجيال الجديدة؟
مصطفى علي عدنان الزيدي
أ.م.د.

مقدمة المقال وخلاصته:
يتناول المقال التحولات التي أحدثها التقدم التكنولوجي في مصادر التنشئة والتوجيه، وما رافقها من تغير في أدوار الأسرة والمدرسة والمؤسسات الاجتماعية في تشكيل وعي الأجيال الجديدة، ويناقش اتساع تأثير البيئة الرقمية في أفكار الأبناء وقيمهم وسلوكياتهم، وما يترتب على ذلك من تحديات تربوية تتعلق بالتمييز بين المعرفة والوعي، وبين الوصول إلى المعلومات والقدرة على فهمها وتقييمها وتوظيفها بصورة مسؤولة، كما يسلط الضوء على أهمية تطوير الأدوار التربوية للأسرة والمدرسة، وتعزيز التفكير النقدي والوعي الرقمي، وتقديم القدوة الإيجابية للأجيال الناشئة، ويخلص المقال إلى أن مواجهة هذه التحولات لا تكون برفض التكنولوجيا أو الحد من استخدامها فحسب، بل ببناء وعي تربوي يجعلها أداة لخدمة الإنسان وتنمية قدراته، ويحافظ في الوقت نفسه على قيمه وهويته ومسؤوليته الأخلاقية.
المقدمة
لم
يعد السؤال في عصرنا الحاضر: ماذا يتعلم الأبناء؟ بل أصبح: من يحدد لهم ما
يتعلمونه؟ ومن يشكل أفكارهم؟ ومن يؤثر في نظرتهم إلى الحياة والناس والمجتمع؟ ففي
الوقت الذي كانت فيه الأسرة والمدرسة تمثلان المصدرين الأساسيين للتربية والتوجيه،
أصبحت التكنولوجيا اليوم حاضرة في تفاصيل حياة الأبناء، حتى باتت تنافس المؤسسات
التربوية في التأثير في أفكارهم وسلوكهم وقيمهم.
لقد
تغير العالم بصورة سريعة، وأصبح الوصول إلى المعلومات أمراً سهلاً لا يحتاج إلى
جهد كبير، يستطيع الطفل أن يشاهد ما يريد، ويسمع ما يشاء، ويتعرف على أفكار
وثقافات مختلفة من خلال هاتف صغير يحمله في يده، وهذه الإمكانات، على الرغم من
فوائدها الكبيرة، تطرح تساؤلات مهمة حول طبيعة ما يتلقاه الأبناء، ومدى قدرتهم على
التمييز بين ما ينفعهم وما قد يؤثر سلباً في تفكيرهم وسلوكهم.
إن
المشكلة لا تكمن في تقدم التكنولوجيا بحد ذاته، بل في الفجوة التي بدأت تتسع بين
سرعة التطور التكنولوجي وبطء استجابتنا التربوية لهذا التطور، فالأجهزة تتغير،
والتطبيقات تتجدد، ووسائل التأثير تتعدد، في حين لا تزال بعض ممارساتنا التربوية
تعتمد أساليب تقليدية لم تعد قادرة وحدها على التعامل مع واقع الأجيال الجديدة.
من يربي أبنائنا
اليوم؟
في
الماضي، كان الطفل يقضي معظم وقته في محيط الأسرة والمدرسة والحي الذي يعيش فيه،
وكانت هذه البيئات تؤدي دوراً أساسياً في تشكيل شخصيته وتعليمه القيم والعادات
الاجتماعية، أما اليوم، فقد أصبح جزء كبير من وقت الأبناء يقضى في العالم الرقمي،
حيث يتابعون أشخاصاً لا يعرفونهم، ويتأثرون بآرائهم، ويقلدون سلوكياتهم، وربما
يمنحونهم ثقة وتأثيراً أكبر مما يمنحونه لبعض الأشخاص المحيطين بهم.
وهنا
تظهر مشكلة تربوية تستحق الانتباه؛ إذ لم تعد الأسرة وحدها قادرة على معرفة كل ما
يتعرض له أبناؤها، كما لم تعد المدرسة المصدر الوحيد الذي يستمد منه الطالب
معلوماته وتصوراته، لقد دخلت إلى حياة الأبناء مصادر جديدة للتأثير، منها منصات
التواصل الاجتماعي، وصناع المحتوى، والألعاب الإلكترونية، والمحتوى المرئي
المتنوع.
وليس
من الصحيح أن نحكم على هذه المصادر جميعها بأنها سلبية، فبعضها يقدم معرفة مفيدة،
وينمي المهارات، ويوسع آفاق التفكير، لكن الخطورة تكمن في غياب التوجيه، وفي
التعامل مع كل ما يُعرض على الشاشة وكأنه حقيقة تستحق التصديق أو نموذج يستحق
التقليد.
المعرفة ليست
وعياً
من
الأخطاء التي ينبغي أن ننتبه إليها الاعتقاد بأن كثرة المعلومات تعني بالضرورة
ارتفاع مستوى الوعي، فقد يمتلك الطالب معلومات واسعة عن موضوعات مختلفة، ويستطيع
الوصول إلى إجابات كثيرة في وقت قصير، لكنه قد لا يمتلك القدرة على التمييز بين
المعلومة الصحيحة والخاطئة، أو بين الرأي والحقيقة، أو بين السلوك المقبول والسلوك
الذي يتعارض مع القيم الإنسانية.
إن
امتلاك المعرفة شيء، والقدرة على فهمها وتقييمها وتوظيفها بصورة صحيحة شيء آخر،
فالتربية لا تقتصر على تزويد الإنسان بالمعلومات، وإنما تسعى إلى بناء شخصيته،
وتنمية قدرته على التفكير، وتعليمه تحمل المسؤولية واحترام الآخرين واتخاذ
القرارات السليمة.
ومن
هنا تبرز أهمية الدور التربوي في عصر التكنولوجيا؛ فليس المطلوب أن نمنع الأبناء
من استخدام الوسائل الحديثة، وإنما أن نعلمهم كيف يتعاملون معها، وكيف يفكرون فيما
يشاهدونه، وكيف يتجنبون الانسياق وراء كل ما ينتشر أو يلقى رواجاً بين الناس.
الأسرة
والمدرسة أمام تحدٍّ جديد
تتحمل
الأسرة مسؤولية أساسية في توجيه الأبناء، لكن هذه المسؤولية لا تتحقق بمجرد منع
استخدام الهواتف أو تحديد ساعات المشاهدة، فالتربية تحتاج إلى الحوار والثقة
والمتابعة، وإلى أن يكون الوالدان قريبين من اهتمامات أبنائهم، وأن يفهموا العالم
الذي يعيشون فيه بدلاً من الاكتفاء برفضه أو انتقاده.
فالطفل
الذي يجد في أسرته من يستمع إليه ويناقشه ويوضح له ما يلتبس عليه، يكون أكثر قدرة
على التعامل مع المؤثرات الخارجية بوعي، أما الاكتفاء بالأوامر والنواهي دون تفسير
أو حوار، فقد يدفعه إلى البحث عن إجابات لدى مصادر أخرى لا يعرف مدى صلاحيتها.
أما
المدرسة، فلم يعد دورها مقتصراً على تقديم الدروس والكتب والمعلومات، بل أصبحت
مطالبة بتعليم الطلبة التفكير النقدي، واحترام الاختلاف، والتحقق من المعلومات،
والتعامل المسؤول مع التكنولوجيا، فالمدرسة التي تنجح في حفظ المعلومات لكنها لا
تنمي شخصية الطالب ولا تساعده على فهم الحياة، تكون قد أدت جانباً من وظيفتها
وتركت جوانب أخرى لا تقل أهمية،
وهنا
تبرز مسؤولية المعلم أيضاً؛ فهو ليس ناقلاً للمعرفة فحسب، بل يمثل نموذجاً في
التفكير والسلوك والحوار واحترام الإنسان، وكلما استطاع المعلم أن يربط ما يتعلمه
الطالب بحياته الواقعية، ازدادت قدرة المدرسة على الاحتفاظ بمكانتها التربوية.
حين تصبح
الشهرة نموذجاً للنجاح
من
الظواهر التي تستحق التأمل أن بعض الأجيال الجديدة أصبحت تقيس النجاح بعدد
المتابعين والمشاهدات والإعجابات، وأصبح الظهور والشهرة في بعض البيئات الرقمية
أكثر جاذبية من التفوق العلمي أو التميز الأخلاقي أو الإسهام النافع في المجتمع.
ولا
يعني ذلك أن جميع صناع المحتوى يقدمون نماذج سلبية، فهناك من يقدم معرفة وخبرة
وتجارب نافعة، لكن المشكلة تظهر عندما تتحول الشهرة إلى معيار وحيد للنجاح، وعندما
تصبح المظاهر الخارجية أكثر أهمية من العلم والعمل والإنجاز الحقيقي.
وهنا
لا بد من التساؤل: أين دور الأسرة والمدرسة في تقديم نماذج ناجحة وقريبة من حياة
الأبناء؟ وأين دور المجتمع في تقدير المعلم والباحث والمبدع وصاحب العمل النافع؟
إن بناء القدوة لا يتحقق بالمواعظ وحدها، بل يحتاج إلى نماذج واقعية يرى الأبناء
أثرها في حياتهم اليومية.
من المسؤول عن
تشكيل الوعي؟
ليس
من المنصف تحميل التكنولوجيا وحدها مسؤولية التحولات التي نشهدها، كما ليس من
الصحيح إعفاء الأسرة والمدرسة والمجتمع من مسؤولياتهم، فالتنشئة مسؤولية مشتركة،
تتكامل فيها أدوار المؤسسات المختلفة.
فالأسرة
مسؤولة عن بناء الأساس القيمي، والمدرسة مسؤولة عن تنمية المعرفة والتفكير
والسلوك، والمؤسسات الإعلامية مسؤولة عن تقديم محتوى يحترم عقل المتلقي، والمجتمع
مسؤول عن توفير بيئة تشجع النماذج الإيجابية، أما المؤسسات التقنية ومنصات
التواصل، فعليها مسؤولية أخلاقية ومجتمعية في الحد من المحتوى الضار، وتعزيز بيئات
رقمية أكثر أماناً وشفافية.
ولا
ينبغي أن تكون استجابتنا لهذا الواقع قائمة على الخوف من التكنولوجيا أو رفضها،
لأن ذلك لا ينسجم مع طبيعة العصر، وإنما ينبغي أن تقوم على بناء إنسان يمتلك
القدرة على استخدامها دون أن يفقد استقلاله في التفكير أو يتخلى عن قيمه
ومسؤوليته.
التربية أولاً
إن
التحدي الحقيقي الذي نواجهه اليوم ليس في كيفية إبعاد الأبناء عن التكنولوجيا، بل
في كيفية إعدادهم للتعامل معها بوعي ومسؤولية، فنحن لا نستطيع أن نعيد الزمن إلى
الوراء، ولا أن نعزل أبناءنا عن العالم الرقمي، لكننا نستطيع أن نمنحهم الأدوات
الفكرية والأخلاقية التي تساعدهم على التعامل معه.
إن
تقدم التكنولوجيا لا ينبغي أن يكون على حساب تقدم الإنسان، وكثرة المعلومات لا
ينبغي أن تجعلنا نغفل عن أهمية التربية، وسهولة الوصول إلى المعرفة لا تعني
الاستغناء عن دور المعلم والأسرة والمؤسسات التربوية.
فالتكنولوجيا
تستطيع أن تقدم المعلومة، وأن تتيح فرص التعلم، وأن تختصر الوقت والجهد، لكنها لا
تعفي الإنسان من مسؤولية التفكير والاختيار، ولا تغني عن الحاجة إلى القيم والضمير
والقدوة والتوجيه.
إننا
لا نحتاج إلى جيل يعرف كيف يستخدم التكنولوجيا فحسب، بل إلى جيل يعرف لماذا
يستخدمها، وكيف يستفيد منها، ومتى يرفض ما تقدمه له، فالمستقبل لا يحتاج إلى إنسان
يمتلك أحدث الأجهزة وأوسع مصادر المعلومات فقط، بل يحتاج إلى إنسان يمتلك وعياً
يحسن به الاختيار، وعقلاً يستطيع به التمييز، وقِيماً توجه سلوكه.
وهنا
تتجلى حقيقة الدور التربوي: ليست مهمتنا أن ننافس التكنولوجيا في تقديم المعلومات،
وإنما أن نعد الإنسان الذي يستطيع التعامل معها دون أن يفقد إنسانيته.
خاتمة
ومما سبق نرى ان المشكلة ليست في عالم يتقدم تكنولوجياً، بل في إنسان قد يتقدم في امتلاك أدوات العصر دون أن يتقدم بالقدر نفسه في وعيه وقدرته على الاختيار، فالتكنولوجيا مهما بلغت إمكاناتها لا تستطيع أن تحل محل التربية في بناء الضمير، وترسيخ القيم، وتنمية الشعور بالمسؤولية، ومن هنا فإن استعادة الدور التربوي لا تعني العودة إلى الماضي أو رفض مظاهر التطور، وإنما تعني مواكبة الحاضر بعقل تربوي واعٍ، يجعل التكنولوجيا وسيلة لخدمة الإنسان لا بديلاً عن تربيته، فالأجيال لا تحتاج إلى من يعلّمها كيف تتعامل مع العالم الرقمي فحسب، بل تحتاج إلى من يساعدها على أن تعرف كيف تعيش في هذا العالم دون أن تفقد هويتها وقيمها وإنسانيتها.
المصادر والمراجع المعتمدة:
المراجع
1. العنبكي، حسين إبراهيم حمادي. (2025). التربية الرقمية وتنمية الوعي بالمخاطر الإلكترونية من منظور الخدمة الاجتماعية: دراسة ميدانية في مدينة بعقوبة. مجلة كلية التربية للبنات، 36(3)، 99–124. https://doi.org/10.36231/coedw.v36i3.1856
2. بوعلو، العربي. (2025). تحليل سوسيو تربوي: الوضع الاجتماعي للآباء ودور التنشئة الرقمية في النجاح الدراسي للأبناء. مجلة ضياء للبحوث النفسية والتربوية، 6(1)، 57–90.
3. بولويحة، جواد. (2026). الأسرة المسلمة وتحديات التربية في العصر الرقمي. مجلة سبأ للعلوم الإنسانية والاجتماعية، 2(6)، 97–109. https://doi.org/10.48185/sjhss.v2i6.2067
4. علي، آية جواد. (2025). دور التربية الرقمية في تعزيز المرونة الفكرية للأطفال إزاء التحولات المجتمعية الراهنة: دراسة وصفية. مجلة جامعة تكريت للعلوم الإنسانية، 32(8، الجزء الأول)، 380–400. https://doi.org/10.25130/jtuh.32.8.1.2025.20
5. Adigwe, I., Mason, J., & Gromik, N. (2025). Investigating the relationship between socio-demographic variables of parents, digital literacy and parental mediation practices in the digital age: Nigeria in focus. E-Learning and Digital Media, 22(3), 229–246. https://doi.org/10.1177/20427530241232495
6. Lafton, T., Wilhelmsen, J. E. B., & Holmarsdottir, H. B. (2024). Parental mediation and children’s digital well-being in family life in Norway. Journal of Children and Media, 18(2), 198–215.