معتمدة رسمياً بإعمام وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ذي العدد (1410-116951 في 2026/10/4)

"عويل الذاكرة ،تحولات المكان بين فكي العصرنة والحروب "

Salwa Shukri

Salwa Shukri

مدرس دكتور

5 دقائق قراءة•٤٣ مشاهدة•٢٣‏/١٠‏/٢٠٢٦
مقال صوتي مسموعإلقاء أكاديمي فصيح

جاهز للاستماع

"عويل الذاكرة ،تحولات المكان بين فكي العصرنة والحروب "

00:00
00:00
"عويل الذاكرة ،تحولات المكان بين فكي العصرنة والحروب  "

مقدمة المقال وخلاصته:

يناقش المقال كيف نجعل من الذاكرة تقنية سردية في الأعمال الروائية ، تقنية نقدية إيكولوجية سياسية\ اجتماعية ، تربط الهوية بالمكان ومجابهة محاولات التغيير الهويتي على الصعدين : الاسثمار الخارجي لمصالح ربحية شخصية لا تقدم مصالح الأغلبية ، وتبني استثماراتها على أنقاض تاريخ وهوية ، والتهجير القسري المتمثل بالسياسات الخارجية والتدخلات والأطماع الخارجية ، وندعوا من خلاله لضرورة اهتمام الروائيين في التثقيف لذلك في أعمالهم الأدبية من خلال رصد تقنيات معينة .

إنّ المكان في الأعمال الأدبية ليس مجرد جغرافية ساكنة ، بل هي كائن حي يصاب بصدمات التغيير القسرية ، فمأساة المكان المعاصر بين فكي العصرنة الحداثية للإعمار والاستثمار ، التشويه الناعم الذي يُبنى على أنقاض ذاكرة وتراث وهوية ، وبين التشويه الخشن ، الحروب والتهجير ، وسقوط المدن ، الذي يمحي ذاكرة المكان وهويته أو يفصلها عن أصحابها  قسراً بالنفي والتهجير.

إنّ ذاكرة المكان لا تموت عندما تُهدّم الجدران بل تتحول إلى صرخات قابعة في زوايا الذاكرة ، صرخات خفية مثلتها الأعمال الأدبية والنصوص الروائية كتمثل وجداني  وجودي للإنسان الذي وإن بدى ساكناً في الذاكرة فهو في الحقيقية عويل في ذاكرة الروح لا يخمد .

فحين استبدلت العولمة والحداثة الأمكنة التاريخية والتراثية ، بمعالم خرسانية لا تمثل هوية المكان ولا تشكل ملامحه وطابعه الخاص ، مثل الأبراج والمراكز التجارية المجمعات السكنية الأفقية والعامودية التي حولت المدن كخرسانة بلا روح ، أو فنادق سياحية  ، استبدلت الشناشيل البغدادية والبيوت البسيطة الفارهة المزينة بأشجار الرارنج والبرتقال والحمضيات والرازقي والجوري ، البيوت التي تحمل كل منها روح وهوية ساكني المكان ، استبدلت ببيوت مزدحمة صغيرة تفتقر للمرافق الأساسية للسكن . حيث يغدو هذا التغيير المدني نوعاً من الاغتراب النفسي القاسي الذي يفصل الإنسان عن ذاكرته دون إراقة دماء .

 مثلّت الرواية العراقية المعاصرة ذلك في العديد من الأعمال ، منها "فرانكشتاين في بغداد" لأحمد السعداوي ، الذي رصد كيف تحولت مناطق وأحياء بأكملها كانت تحمل طابعاً تراثياً يحكي عن أصحاب المنطقة الأصليين، وكيف مسخت هذه الهوية التاريخية والتراثية بسبب الحروب والتهجير، وكيف أصبحت خرائب تأوي المشردين والمخربين ، ومن جهة أخرى الزحف الحداثي للإعمار الذي حول المنطقة إلى فنادق سياحية ومراكز تجارية .

ويعاد تشكيل جغرافيا المكان وتغييره تغييراً قسرياً ، ويقتلع الإنسان من مكانه بفعل القصف ، وسقوط المدن ، والتهجير القسري ، ويشير ذلك في الأعمال الروائية لسقوط الذات الروائية ،فعلاقة المكان بالهوية علاقة وثيقة ، فلا يكون للمرء تمثيل حقيقي لوجده خارج أرضه وتجمعه السكاني وموطنه الأصلي . هذا السقوط يجعل الأحياء المألوفة مسرحاً للموت والخراب ، كيف يمثل ذلك المكان  الروائي في إعادة تغيير أسماء المدن أو تغيير مسارها الديمغرافي بتغيير سكانها بسبب القوة أو بسبب الحرب ،

رواية "طشاري" للكاتبة إنعام كجه جي، تدور أجزاء مهمة من الرواية عن اضطرار أصحاب بيوت  لترك تلك البيوت وتأريخهم المتعلق بها والذي يمثل هويتهم، وتتحدث بمرارة وحنين عن هجران تلك البيوت إثر موجات الهجرة والتحولات السياسية؛ بل تعرضت الروائية لأبعد من ذلك فالعبث بالهوية والتأريخ وتغيير ديمغرافيا المكان ومالكيه وتغيير ملكية أصحابه بفعل الاستثمار وهذه التغيرات السياسية لم يقتصر على المباني والأحياء السكنية ؛ بل امتد الأمر ليشمل مقبرة الكلدان القريبة من ساحة الطيران والتي وضع متنفذون أيديهم عليها وقاموا بنقل جثمانها إلى مكان جديد لاستثمار أرض المقبرة التابعة للجالية المسيحية في بغداد ، فتروي كيف أنّ سليمان رفع قضايا استمرت لعشر سنوات تمثل كلدان العراق عامة في حق استرداد المقبرة التاريخية وكيف تحرك جثمان الآباء والأجداد منها ، وتختم هذا المشهد بتساؤلاتها عن سليمان الذي لم يدر أنّه كان يستبق الدفاع عن حقه في أن يدفن في جوار آباءه وأجداده ، فانتزاع حق الأموات للرقود بسلام كان إشارة مستقبلية لهجرة قسرية إلى فرنسا وكندا لمن تبقى من المسيح والذين حرموا من الدفن في مقابر الآباء والأجداد  .

وتمسك الروائي باستخدام الأسماء القديمة للحفاظ على هوية المكان ، بالرغم من التغيير الديمغرافي الحاصل ، وكتابة السير المكانية المهدد بالاندثار أو التي اندثرت بجمع شهادات كبار السن والسكان الأصليين ، واستخدام الروائي أساليب أخرى منها :  التداعي الحر ، والحوار بين الشخصيات والاسترجاع ، لاستعادة ملامح المدن المفقودة ،

من ذلك روايات الروائية المصرية رضوى عاشور في روايتيها " ثلاثية غرناطة" و" الطنطورية " ، فالأندلس الفردوس المفقود استرجعت الروائية تفاصيلها الدقيقة في الرواية  من خلال هذه التقنيات الاسترجاع والتداعي الحر والحوار وروايات الشهود ، للتأكيد على هوية المكان المنتزعة اليوم وإن كانت بعض الأماكن فيها لليوم موجودة بآثارها وربما أسماءها ولكنها فقدت هويتها ،وهي اليوم شاهد على التهجير القسري وتحويل الهوية القسري الذي مورس على المسلمين في الأندلس ، الروائية استخدمت الرواية التاريخية هذه كرمز للعبرة للحث على التمسك بفلسطين التي ترزخ تحت ضغط الاحتلال الاسرائيلي ، ومثلّت ذلك في رواية "الطنطورية" بنسبة رقية إلى قريتها " الطنطورة  القرية الساحلية التاريخية التي سُلبت من سكانها الأصلين وهُجّر سكانها قسراً وتعرضوا للإبادة ومجازر مروعة اضطرت من تبقى منهم للنزوح القسري حتى أمست وبفعل العصابات الصهيونية مدينة مستلبة الهوية تغيّر أهلها وتغيّرت ملامحها إلا ما بقي منها في ذاكرة الشهود من أصحاب القرية ، وتحول اسمها إلى " نحشوليم " في 1948 ، ولكن الروائية أبقت على الأسماء الأصلية التاريخية للأماكن ، لتكون ذاكرة المكان في الرواية.

عويل الذاكرة ليس مجرد رثاء عاطفي أو حنين سلبي للماضي ، بل هو موقف فكري وسياسي ، يرفض سحق عوالم الإنسان ومجتمعه تحت عجلة الحداثة والمشاريع الاستثمارية الرأسمالية الربحية من جهة والأطماع الخارجية من جهة أخرى،  الرواية تجعل من عويل الذاكرة أداة نقدية وسياسية ، توثق قسوة الواقع وتغيراته ، وتمثل ذاكرة خالدة للمكان داخل النص .

 

 

الكلمات المفتاحية:السردالمكانالهويةالذاكرةالنقد الإيكولوجي السياسي والأجتماعي

المصادر والمراجع المعتمدة:

*حداثة السرد في الرواية التاريخية المعاصرة ، رضوى عاشور أنموذجا ، ، سلوى شكري شاكر ،أطروحة دكتوراه غير منشورة ، جامعة الأنبار،2013.

*الفضاء الروائي أسلوباً لتحديث السرد في الرواية التأريخية المعاصرة رضوى عاشور أنموذجا، إنقاذ عطلة العاني، سلوى شكري شاكر النعيمي، مجلة جامعة الأنبار للغات والآداب -العدد12 -2013 ،1-15

*فرانكشتاين في بغداد، أحمد سعداوي، منشورات الجمل /بيروت -بغداد، 2013، ط1.

*طشاري، أنعام كجه جي ، دار الجديد ، 2013 .

*ثلاثية غرناطة، رضوى عاشور ، دار الشروق ن ط1 ،2001 .

*الطنطورية ، رضوى عاشور ، دار الشروق ، 2010 ، ط1 .

مقالات أخرى في العلوم الإنسانية