معتمدة رسمياً بإعمام وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ذي العدد (1410-116951 في 2026/10/4)

الذكاء الاصطناعي وقراءة المخطوطات التاريخية: فرص التقنية وحدودها

أ.م.د خديجة حسن علي خشان القصير

أ.م.د خديجة حسن علي خشان القصير

أستاذ مساعد دكتور

7 دقائق قراءة•٢٤٩ مشاهدة•٢٧‏/١٠‏/٢٠٢٦
مقال صوتي مسموعإلقاء أكاديمي فصيح

جاهز للاستماع

الذكاء الاصطناعي وقراءة المخطوطات التاريخية: فرص التقنية وحدودها

00:00
00:00

مقدمة المقال وخلاصته:

تحفظ المخطوطة والوثيقة التاريخية الكثير من المعلومات الخاصة بحياة المجتمعات في عصورها المختلفة، فهي تكشف جوانب من حياة الانسان السياسية والاقتصادية والثقافية وعلاقاته الاجتماعية. لكن الاستفادة من هذه المعلومات ليست سهلة دائمًا؛ إذ قد تكون بعض الصفحات متضررة، أو باهتة الحبر، أو مكتوبة بخط يصعب قراءته وقد يحتاج الباحث إلى ساعات طويلة لتفريغ عدد محدود من الصفحات قبل أن يبدأ تحليل مضمونها ومقارنته بمصادر أخرى. هنا تظهر أهمية الذكاء الاصطناعي كونه أتاح الفرصة بتوفير العديد من الأدوات التي ساعدت في تحويل صور الوثائق والمخطوطات إلى نصوص رقمية يمكن البحث فيها ومعالجتها. غير أن السؤال ليس ما إذا كانت هذه الأدوات قادرة على قراءة المخطوطات فحسب، بل إلى أي حد يمكن الوثوق بنتائجها عند استخدامها في البحث التاريخي؟

كيف يتعرف الحاسوب على النصوص؟

من التقنيات المستخدمة في هذا المجال تقنية التعرّف الضوئي على الحروف (OCR)، التي تحوّل صور النصوص المطبوعة إلى نصوص رقمية. أما المخطوطات المكتوبة بخط اليد، فتحتاج غالبًا إلى تقنيات التعرّف على الكتابة اليدوية، المعروفة اختصارًا بـ HTR.[1]

تقوم هذه التقنيات على نماذج معمولة وفق الأنماط البصرية للحروف والكلمات وكلما كانت هذه الصور واضحة وتوافرت فيها المعلومات الكاملة من نوع الخط واللغة المتبعة كلما زادت الأهمية في الحصول على نتائج دقيقة عن الاحداث التاريخية خلال الفترات المتنوعة للمخطوط، والعكس يحدث اذا كان المخطوط او الوثيقة يحتوي على أخطاء منهجية  كصفحات متضررة او اختصارات قديمة غير معروفة للباحث او شكل من اشكال الكتابة الغير مفهومة التي تدرب عليها.[2]

 وهذا ما ذكره صراحة بعض الأساتذة المهتمين بهذه التقنيات في جامعة بيل إذ ان اختيار التقنية المناسبة يرتبط بطبيعة المادة ورقمنتها وبالتالي سهولة تحديد زمنها التاريخي، فالتعامل مع النص المطبوع ليس مطابقًا للتعامل مع الكتابة اليدوية التاريخية. لذلك لا يصح افتراض أن أي أداة للتعرّف على النصوص ستتعامل بالدقة نفسها مع جميع المخطوطات.

يمكن تنظيم عملية رقمنة المخطوط في مجموعة من المراحل المتتابعة. تبدأ العملية بالحصول على صورة واضحة للصفحة، مع الحفاظ على ترتيب الأوراق وبيانات المصدر. ثم تُعالَج الصورة عند الحاجة لتحسين وضوح النص وتقليل التشويش، قبل تمريرها إلى أداة التعرّف المناسبة.

بعد ذلك، ينتج النظام نصًا رقميًا يحتاج إلى مراجعة بشرية. فقد يخلط بين حروف متشابهة في الرسم، أو يخطئ في قراءة اسم شخص أو مكان، أو يحذف كلمة بسبب تلف موضعها في الصفحة. وقد يؤدي خطأ صغير في اسم أو تاريخ إلى نتيجة مضللة عند البحث في قاعدة بيانات تاريخية.

لهذا ينبغي أن تتضمن عملية العمل مقارنة النص المستخرج بصورة المخطوط، وتصحيح الأخطاء، وتسجيل المواضع غير الواضحة بدل تخمينها. ومن المفيد أيضًا الاحتفاظ بالصورة الأصلية إلى جانب النص الرقمي، حتى يتمكن الباحث أو غيره من العودة إلى الشاهد الأصلي والتحقق من القراءة.[3]

كيف نعرف أن النص المستخرج دقيق؟

لا يكفي أن يبدو النص الناتج مقروءًا حتى نعدّه صحيحًا. يمكن تقييم الدقة بمقارنة التفريغ الآلي بنص مرجعي راجعه إنسان اعتمادًا على صورة المخطوط. وتُحسب الأخطاء في الحروف أو الكلمات، بحسب المقياس المستخدم، لمعرفة مقدار الاختلاف بين النصين.

وتبرز أهمية هذه الخطوة خصوصًا في المخطوطات العربية؛ إذ قد تتقارب أشكال بعض الحروف، كما تتغير طريقة الكتابة باختلاف العصر والمنطقة والناسخ. وقد تزيد الصعوبة بسبب غياب التشكيل، وتداخل التعليقات الهامشية مع المتن، وتنوع طرائق كتابة الأسماء والأرقام.

ومن وجهة نظري كباحثة في حقل التاريخ اجد ان قراءة المخطوط آليا قد ينمي عنه خطأ يحدث سهواً بسبب اهمال قراءة حرف او كلمة وهذا بدوره يؤدي الى الخطأ في قراءة اسم الشخص الذي دون المخطوط او الوثيقة او موطنه وموقعه الجغرافي او تاريخ وفاته وهذا بدوره يؤثر في ربط الاحداث التاريخية بزمن الوثيقة المعنية للدراسة وخاصة بعض المعلومات قد تسقط من النساخ وبالتالي يحرم الباحث من المعلومة الدقيقة المستخرجة ولذلك لاينبغي ان نتعامل مع النتائج الرقمية على انها نتائج نهائية بل هي قراءات أولية تراجع وفق السياق التاريخي للحدث .

ومن الأمثلة على الجهود البحثية في هذا المجال دراسة منشورة عام 2024 في مجلة Data in Brief، قدمت مجموعة بيانات للتعرّف على النص العربي القديم المكتوب بخط اليد، شملت صورًا وتفريغات نصية لصفحات من كتب قديمة. وتبرز أهمية مثل هذه المجموعات في تدريب الأنظمة وتقييمها، بدل الاكتفاء بالانطباع العام عن جودة النتائج.

تقنية مساعدة وليست بديلًا عن الباحث

تمنح تقنيات التعرّف على النصوص فرصًا مهمة لتيسير الوصول إلى المخطوطات والوثائق، وتوسيع نطاق البحث في مجموعات كبيرة من المصادر. غير أن نجاحها يتوقف على جودة الصور، وملاءمة الأداة، وتوافر بيانات تدريب مناسبة، ومراجعة المخرجات على نحو منهجي.

والاستفادة العلمية الحقيقية لا تتحقق بمجرد تحويل المخطوط إلى نص رقمي، بل بإنشاء نص يمكن التحقق منه، مع الحفاظ على صلته بالصورة الأصلية وبياناته التاريخية. وبهذا يصبح الذكاء الاصطناعي وسيلة لدعم البحث التاريخي وتيسير العمل على المصادر، فيما تبقى القراءة النقدية والتحليل والسياق من مسؤوليات الباحث.



[1] Yale University Library, “Resources for Digital Humanities: Digitization and OCR/HTR.”
https://guides.library.yale.edu/dh/ocr

[2] Transkribus Help Center, “Data Preparation.”
https://help.transkribus.org/data-preparation

 

[3] Najam, R., & Faizullah, S. “A scarce dataset for ancient Arabic handwritten text recognition.” Data in Brief, vol. 56 (2024), article 110813.
https://doi.org/10.1016/j.dib.2024.110813

 

الكلمات المفتاحية:الذكاء الاصطناعيالمخطوطات التاريخيةرقمنة التراث

المصادر والمراجع المعتمدة:

المصادر والمراجع

1. Yale University Library, “Resources for Digital Humanities: Digitization and OCR/HTR.”

https://guides.library.yale.edu/dh/ocr

2. Transkribus Help Center, “Data Preparation.”

https://help.transkribus.org/data-preparation

3. Najam, R., & Faizullah, S. “A scarce dataset for ancient Arabic handwritten text recognition.” Data in Brief, vol. 56 (2024), article 110813.

https://doi.org/10.1016/j.dib.2024.110813

4. مجموعة البيانات المصاحبة للدراسة، Mendeley Data.

https://data.mendeley.com/datasets/xz6f8bw3w8/1