المضائق والممرات البحرية واثرها على مصادر الطاقة العالمية
طالب النوري
باحث أكاديمي

مقدمة المقال وخلاصته:
شكل اغلاق مضيقا هرمز وباب المندب تحولاً كبيراً في مسار الصراع بين الجمهورية الاسلامية الايرانية والولايات المتحدة الاميركية من جهة والولايات المتحدة الاميركية والحكومة اليمنية التي انشأها الحوثيون من جهة اخرى فقد اوجدت السيطرة التي مارستها الحكومتان الايرانية واليمنية على ممراتها المائية ضغطاً على الدولة متفوقة عسكرياً وتكنولوجياً مع امتداد اثار ذلك الاغلاق الى الكثير من الدول المتحالفة معها فقد باتت مصادر الطاقة مهددة بالانقطاع ، الامر الذي ادى الى ارتفاع اسعار النفط في الاسواق العالمية مما انعكس على الوضع الاقتصادي الذي اضحى في حالة ركود خطيرة فضلاً عن ذلك فقد اضحت العديد من العواصم الاوربية تعيش حالة من الاضطراب مما اكد الدور الاستراتيجي للمضائق في حسم النزاعات الاقليمية .
تعد فكرة الهيمنة على المضائق والممرات
البحرية احدى الرؤى التي هيمنت على الفكر الجيو سياسي الاوربي منذ اوائل القرن
العشرين فقد ظهرت العديد من النظريات السياسية التي اكدت على ذلك وكان الفريد ماهان احد ضباط القوة البحرية
الاميركية من ابرز الدعاة الذين اكدوا على ذلك المفهوم ففي كتابه مشكلات اسيا والذي تم نشره في عام 1900 بين الدور الحيوي
للدول التي تمتلك الاساطيل البحرية في فرض هيمنتها على التجارة العالمية وعلى
الدول التي تكتسب اهمية اقتصادية انذأك وقد اشترط ماهان ضرورة امتلاك الدول ذات الهيمنة البحرية على موقع جغرافي
مميز وسواحل واسعة تجعلها قادرة على فرض هيمنتها وقد اختصر فكرته بمقولة " من
يسيطر على البحار يسيطر على العالم " وقد اكد ماهان ان السيطرة تتم من خلال
الاطراف ويقصد بذلك المضائق والممرات البحرية مثل قناة السويس، ومضيق جبل طارق،
ومضيق باب المندب .
وقد نجحت الولايات المتحدة الاميركية في ترجمة تلك النظرية السياسية على ارض الواقع من خلال بسط نفوذها على العديد من الممرات المائية والجزر كان ابرزها خليج جوانتنامو Guantanamo, شرقي كوبا ـ عام 1903 وباسلوب التأجير، وفي عام 1917 أشترت من الدانمركيين جزر فيرجين Virgin، واستولت على جزيرة نافاسا Navassa الى الجنوب من كوبا . واستأجرت من جمهورية نيكاراغوا جزيرتي كورن الكبرى وكورن الصغرى. كان الغرض من الحصول على جميع تلك المواقع الاستراتيجية من اجل حماية قناة بنما .
استمرت الولايات المتحدة بتوجهاتها الرامية في فرض وجودها الجيو سياسي من
خلال اقرار" مرسوم الإعارة والتأجير" لعام 1941 الذي يعد أداة تنفيذية تتوافق بشكل كلي مع جوهر النظرية التي وضعها ألفرد ماهان في فرض الهيمنة
الأمريكية الساحلية والسيطرة على الأطراف اذ ان ذلك القانون لم يقتصر على تزويد
الدول الداخلة في الحرب بالسلاح بل اشترط على البعض عقود ايجار طويلة الامد تصل
الى 99 عام لبناء عدد من القواعد العسكرية والبحرية في اراضي الحلفاء والمستعمرات
التابعة لهم
اخذت تلك النظرية ابعاد اخرى من خلال الرؤى التي طرحها المفكر الاميركي نيكولاس سبيكمان عام 1942 حول فكرة السيطرة على الاطراف والهوامش ، وقد بين ان تلك المناطق تمثل غرب أوروبا، الشرق الأوسط، جنوب آسيا، وجنوب شرق آسيا وصولاً إلى الصين وروسيا الآسيوية، وقد جاءت تلك الاطروحات رداً على الافكار التي طرحها هالفرد ماكندر احد مؤسسي المدرسة الجغرافية في بريطانيا والتي اكدت ضرورة السيطرة على قلب اوراسيا، اذ ان سبيكمان اكد ان الهيمنة يتم ترسيخها في ضوء السيطرة على الاطراف الساحلية والممرات المائية الهامشية وعلى وفق ما تقدم اصبحت الرؤية السياسية الاميركية طوال الحرب الباردة قائمة على ذلك الاساس في اطار عملية الاحتواء التي مارسها الاميركيون على الاتحاد السوفيتي وكانت الاحلاف التي عقدتها مع دول جنوب شرق اسيا تطبيق عملي لسياسة فرض الهيمنة على تلك المناطق ومنها حلف السيتو1954، عمدت الولايات المتحدة الاميركية بعد ذلك على ملئ الفراغ في الخليج العربي بعد الانسحاب البريطاني عام 1971 كما انها عملت على التدخل بحربا الخليج الاولى 1980-1988 والثانية 1991 واستمرت في حماية دول الخليج العربي حتى اواخر القرن العشرين للحفاظ على مصالحها في المنطقة .
شهد القرن الحادي والعشرون تحولاً في مسار تلك الرؤى القائمة على السيطرة على المضائق والممرات البحرية فبعد ان كانت الدول الكبرى تعمل جاهدة على ابعادها عن اتون الصراعات الاقليمية اضحت غير قادرة في ظل اندفاعها لمهاجمة عدد من الدول التي تسيطر على تلك الممرات والمضائق ومن الأمثلة على ذلك مضيق هرمز، الذي يربط الخليج العربي بخليج عُمان، ويُعدّ ممرًا رئيسيًا لنقل النفط من المنطقة. وتُعتبر السيطرة على هذا الممر الاستراتيجي بالغة الأهمية للدول، إذ أن أي حصار أو نزاع في المنطقة قد يُعطّل إمدادات الطاقة العالمية، إذ يمرّ عبره ما يقارب 20% من النفط المتداول عالميًا، ونحو 30% من الغاز الطبيعي المسال سنويًا. ووفقًا لبيانات شركة التحليلات WoLeha1، فقد بلغ متوسط ما يمرّ عبر مضيق هرمز يوميًا 20.5 مليون برميل من النفط الخام والمكثفات والمنتجات البترولية في المدة من كانون الثاني إلى ايلول 2023. وتُصدّر دول منظمة أوبك، السعودية وإيران والإمارات والكويت والعراق، معظم نفطها عبر ذلك المضيق.
هددت إيران مراراً وتكراراً بقطع إمدادات النفط عبر مضيق هرمز إذا حاولت الولايات المتحدة خنق اقتصادها. ورداً على ذلك، كُلّف الأسطول الخامس الأمريكي، المتمركز في البحرين، بحماية الملاحة التجارية في المنطقة. ومع ذلك، شهد هذا القرن وحده ما لا يقل عن عشر حوادث شملت ناقلات نفط في الخليج. ففي عام 2023 وحده، احتجزت إيران ناقلتي نفط أثناء عبورهما المضيق. وفي تموز من العام نفسه، أعلنت البحرية الأمريكية تدخلها لمنع إيران من احتجاز ناقلتي نفط تجاريتين في خليج عُمان وكما نقلت وكالة رويترز، تصريحات للبحرية الأمريكية مفادها قيام إيران منذ عام 2021 بمضايقة أو مهاجمة أو احتجاز ما يقرب من 20 سفينة تجارية ترفع أعلاماً دولية.
بشكل عام، فان التوتر المحدود حول ذلك الشريان البحري للنقل قد يؤدي إلى صدمة اقتصادية لسوق الطاقة الدولية. اذ لا تتوفر سوى خيارات قليلة: فعلى الرغم من امتلاك دول شبه الجزيرة العربية لخطوط أنابيب اخرى ، لكنها وفقًا لتقديرات مختلفة، لا تغطي تلك الخطوط سوى كمية ضئيلة، يصعب تعويضها. فضلاً عن ذلك، قد تجد قطر التي تعد ثالث أكبر مُصدّر للغاز الطبيعي المسال في العالم، والذي يمر عبر مضيق هرمز، نفسها في وضع كارثي لانعدام أي بديل لنقل الغاز الطبيعي المسال بحرًا. اذ إن الحصار وحده كفيل برفع الأسعار بشكل حاد في العديد من دول آسيا والمحيط الهادئ وأوروبا، وقد يُسبب صعوبات كبيرة وعدم استقرار في أسواق الغاز والسلع العالمية الأخرى، لا سيما في ظل التحديات الاقتصادية والجيوسياسية العالمية الراهنة.
لم يقتصر الامر على ذلك فقد أبرزت الأحداث الأخيرة في اليمن أهمية مضيق باب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن في بحر العرب. فقد أجبر الإغلاق الجزئي لمضيق باب المندب من قبل الحوثيين في نهاية عام 2023 شركات الشحن الكبرى على سلوك طرق أطول عبر رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا)، متجاوزةً بذلك البحر الأحمر. وقد ادى ذلك إلى زيادة تكاليف التأمين والوقود نتيجةً لطول الرحلة إلى أوروبا، ما يضيف ما لا يقل عن 10 إلى 14 يومًا ، وقد نتج عن ذلك ارتفاع في أسعار النفط وأجور الشحن. وشهد عام 2024 تجدداً للهجمات من قبل الحوثيون على في البحر الأحمر، مما أدى إلى تراجع حركة الملاحة عبر قناة السويس، والتي تعد ممر حيوي بين آسيا وأوروبا، يمر عبرها عادةً نحو 15% من التجارة البحرية العالمية.
وفي اطار تصاعد حالة الاضطراب السياسي التي شهدتها المنطقة عمدت الجمهورية الاسلامية الايرانية على اغلاق مضيق هرمز منذ شهر اذار 2026 نتيجة الهجمات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ؛ إذ أدى تكثيف الضربات الإسرائيلية والأمريكية ضد إيران إلى إغلاق المضيق. وانعاكساً لذلك انخفض عدد ناقلات النفط العابرة يومياً من نحو 40 ناقلة إلى ما يقرب من الصفر في غضون أيام قليلة، وتبعتها في ذلك بقية السفن التجارية. ولم يُسمح بالعبور ، إلا للناقلات التي ترفع العلم الصيني وتحمل شحنات مُسعّرة باليوان الامر الذي هدد المصالح الاميركية في المنطقة .
انقلبت النظريات التي وضعها الاميركيون وحاولوا في ضوئها بسط هيمنتهم على مصادر الطاقة في العالم ومناطق نقلها بالضد من توجهاتهم، اذ انها اصبحت السلاح التي تواجه فيه الدول التي تعرضت الى هجمات كبيرة الولايات المتحدة الاميركية التي باتت عاجزة عن ردع تلك الدول على الرغم من ان اعلامها يصور للأخرين نصراً وهمياً الا ان الواقع لا يتوافق مع ما يتم طرحه فالضغوط الايرانية اقضت مضاجع الساسة في المنظومة الاميركية التي تحاول اثبات سيادتها على العالم في خطوة لحفظ ماء وجهها امام الصلابة الايرانية التي تراهن على اطالة امد الاغلاق مع قرب الشتاء الذي قد يحمل اخباراً غير سارة للجانب الاميركي.
المصادر والمراجع المعتمدة:
Kevin D. McCranie , Mahan’s Theor s Theory and the Realities of the First W y and the Realities of the First World War—His Final ar—His Final ,Considerations on Sea Power ,The U.S. Naval War College,2023.
Spykman, Nicholas J. - America's Strategy in World Politics , HARCOURT, BRACE AND COMPANY, INC. 1942.
Бочаров Юрий Борисович, Развитие энерготранспортных коридоров Ближнего Востока как основа региональных конфликтов, Социально-политические науки,2024
Kiel Policy Brief The Cost of Closing the Strait of Hormuz: Energy Bottlenecks and Global Food Security ,March 2026