مقدمة المقال وخلاصته:
الملخص: جاءت اهمية المقال العلمي بإعطاء معنى مقتضب عن مفهوم اللاسامية، وان السامية مفردة عربية مصدرها سام أحد أبناء نبي الله نوح (عليه السلام)، اما مفهوم اللاسامية؛ فهو مفهوم اوربي حديث مترجم من اللغة الانكليزية (Antisemitism) بمعنى معادات السامية او ضد السامية، ويعد ولهلم مار (Wilhelm Marr) الصحفي اليهودي، أول من أستعمل هذا المفهوم، وقصد به كراهية الناس لليهود، لانهم اعتبروا انفسهم الممثلون الوحيدون للجنس السامي في أوروبا، ودرس المقال أيضا العوامل النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي ساعدت في بلورة اللاسامية، ونجاح الصهاينة الأوائل في صناعتها، وسلط المقال ضوءه البحثي على الغاية الحقيقية للصهاينة وراء استعمال اللاسامية، لا سيما في تكوين القومية اليهودية المتشرذمة من اجل جمع الشتات اليهودي ورص صفوفهم ورسم هدفهم في إقامة وطن يهودي في ارض فلسطين، ومن ثم قيام دولة قومية يهودية، والنتيجة ان الصهاينة لم يقتصر دورهم على صناعة اللاسامية لكسب مشاعر اليهود فحسب، بل نجحوا مرة أخرى في استعمال اللاسامية لاستعطاف الرأي العام تجاه اليهود، وخير دليل على ذلك استعمال اللاسامية في المحرقة اليهودية او ما يطلق عليها (الهولوكوست) في المانيا، والتي كان ثمنها حصولهم على دولة صهيونية في ارض فلسطين عام 1948.
دور الصهيونية في صناعة اللاسامية.
أولا: مفهوم اللاسامية.
السامية مفردة عربية مصدرها سام أحد أبناء نبي الله نوح (عليه السلام)، وسام جمعها ساميون، وورد ذكر سام في سفر التكوين من التوراة "هذا سجل سام، وحام، ويافث أبناء نوح فقد أنجبوا أولادا بعد الطوفان"، وذكر الرسول محمد (ص) سام قائلا: "سام أبو العرب، ويافث أبو الروم، وحام أبو الحبش"، لكن المفهوم الأكثر استعمالا للساميين شمل العرب والعبرانيين والفينيقيون والآراميون والبابليون والآشوريون، فضلا عن القبائل التي كانت تعيش في جنوب غرب اسيا، وتحدد الرقعة الجغرافية للساميين في المنطقة الممتدة من البحر الأبيض المتوسط حتى جبال إيران وأرمينيا، وجميع هذه الشعوب ينطقون اللغة السامية او لهجة قريبة منها، اما مفهوم اللاسامية؛ فهو مصطلح اوربي حديث مترجم من اللغة الانكليزية (Anti Semitism)، بمعنى معادات السامية او ضد السامية، ويعد ولهلم مار (Wilhelm Marr) الصحفي اليهودي الألماني (1819-1904)، أول من أستعمل هذا المفهوم عام 1879، وقصد به كراهية الناس لليهود، واقترن مفهوم اللاسامية بهم دون غيرهم، وبات مفهوم اللاسامية يعني معادات اليهود او نبذهم او مناهضتهم من المجتمع، لانهم اعتبروا انفسهم الممثلون الوحيدون للجنس السامي في أوروبا، وعرفت اللاسامية بتعريفات عدة منها دائرة المعارف البريطانية: "ان اللاسامية هي عدم اعتراض الشعوب على اليهود بسبب ديانتهم، لكن بسبب جنسهم؛ فاللاسامية لا يهمها الدين، لكن تنظر الى الشعب بحسب جنسه"، وعرفت أيضا انها: "كراهية اليهود والعداء المنهجي تجاههم، ويحمل في حد ذاته تحريفات ذات طابع أيديولوجي، ويشمل المصطلح مفهوما شاع في القرن التاسع عشر في أوروبا، ويقوم على اعتبار البشرية مقسمة الى اعراق متمايزة تماما ينتمي اليها الافراد بالولادة، وان هذه الأعراق تنتمي في جزء كبير منها الى عائلات يهودية ، وكانت كراهية اليهود ناتجا من صفاتهم العرقية التي تزعم انها موروثة"، ورأى البعض "ان اليهود ينقسمون على عبرانيين الساميون، والقسم الاخر من اليهود لا ينطبق عليهم ساميون لان أعدادا كبيرة منهم قد تهود وهم أصلا ليس من العرق السامي، لكن الصهيونية تعمدت إطلاق السامي على اليهودي فقط، وأصرت على إطلاق مصطلح اللاسامية على كل الحركات والأفعال المناوئة لليهود في أوروبا، وفي كل أنحاء العالم".
ثانيا: ابرز العوامل التي ساعدت على ظهور مفهوم اللاسامية.
رأى الصهاينة ان هنالك مجموعة من العوامل النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية قد تضافرت في نشأة ونمو اللاسامية التي نشطت بشكل واضح في اوروبا بالنصف الثاني من القرن التاسع عشر، ولم تأتي هذه العوامل دفعة واحدة، بل تدرجت من عوامل نفسية واجتماعية واقتصادية ثم سياسية:
- العامل النفسي والاجتماعي.
رأى العديد من الباحثين أن جذور اللاسامية تمتد إلى العصور الوثنية القديمة والمسيحية المبكرة، لا سيما في تعرض اليهود لحملات الاضطهاد المختلفة والكراهية في العصور الوسطى، باعتبارهم المسؤول الأول عن عملية قتل وصلب نبي الله عيسى بن مريم (عليه السلام)، فضلا عن استمرارهم في الإيمان بالديانة اليهودية ورفض قبول رسالته واعتناق دينه، والتمسك بالعقائد اليهودية؛ كشعب الله المختار والنقاء العرقي اليهودي استنادا الى بعض نصوص الشريعة اليهودية التي تحرم مخالطة اليهود للأجانب وعدم الزواج منهم ومؤاكلتهم لاعتقادهم بتفوق اليهود وذكائهم، كل هذا أدى بهم الى الاستعلاء على بقية الشعوب غير اليهودية، ونظر اليهود الى سواهم نظرة تمييز وازدراء واحتقار؛ فرأى اليهود انهم يمثلون العنصر السامي الذي يمتاز بالقيم الأخلاقية العالية، وضرورة التفوق الدائم على غير اليهودي ومن ثم ضرورة تمتع اليهود بامتيازات لاحق لغيرهم بها، وتزخر الاديبات اليهودية بهذا التصور للتفوق في العنصر اليهودي، وعلى سبيل المثال ما قاله آحاد هعام (Aḥad Haam) المفكر اليهودي الاوكراني (1856-1927): "ان اليهود ليسوا مجرد امة، وانما هم امة عليا"، واعتقدوا أن الله عز وجل سيعاقب الامم الأخرى، وهم الذين يبقون وحدهم في آخر الزمان متسلطين على رقاب العالم، ويسمون انفسهم بالشعب الازلي والشعب الابدي، ويعتقدون انهم مثل الله لا اول لهم ولا آخر، بينما غير الساميين هم ذوو الصفات السلبية وأنهم أدنى درجة، بل أنهم غرباء غير محترمين ويستحقون معاملة خاصة تحتوي على كل صفات العنف والقسوة والازدراء والعنف النفسي والجسدي.
انعكست هذه الدعوى العنصرية التي اشاعتها اليهودية على نفسها، وصار اليهودي يعيش عقدة نفسية تتمثل في الشعور بالاضطهاد بسبب تلك العنصرية البغيضة، ورأى ان مشاكله الخارجية بسبب اعتناقه لليهودية، ويسعى الجميع لإيذائه دائما، واستعمل ليون بنسكر (Leon Pinsker) المفكر اليهودي البولندي (1821-1891) مفهوم فوبيا اليهود أو مفهوم رهاب اليهود بدلا من مفهوم اللاسامية، ورأى بنسكر إن جوهر المشكلة مع اليهود هو أنهم عنصر لا يمكن أن يذوب مع الأمم الأخرى، وهذا العنصر لا يمكن أن تهضمه أي امة، ثم تحدث عن طبيعة اللاسامية بقوله: "إنها مسألة نفسية اكثر منها اجتماعية او اقتصادية، وان اللاسامية مرض موروث اخذ ينتقل من جيل الى جيل وسط الشعوب الاممية منذ الفي سنة، ولذا لا يمكن علاجه، والحل لتخليص اليهود يتم عن طريق تحررهم الذاتي ، وذلك بخلق القومية اليهودية، والسعي لإقامة وطن قومي لليهود"، وبخلاف ذلك سوف تبقى أحزان اليهود مستمرة بسبب أعمال العنف الدموية والكراهية التي يواجهونها وسوف تستمر الصرخات هب، هب ضد اليهود"، وأيضا رأى حاييم وايزمن (Chaim Weizmann) الصهيوني الروسي (1874-1952) إن اللاسامية مسألة نفسية مؤكدا إن سبب وجودها هو وجود اليهود واستمرارهم غرباء بين الأمم الأخرى.
ادت العقد النفسية التي يعاني منها اليهود الى عزلتهم اجتماعيا داخل البيئات المحلية التي عاشوا فيها، والتي اطلقت عليها الادبيات اليهودية (الغيتو)، ومع التوافق التام ما بين العقد النفسية والسلوكية والاجتماعية لليهود، وما اثاروا من نعرات العرق، ودعوات التعصب الديني، مثار سخط وحقد عليهم من المجتمعات التي كانوا يعيشون بينها، مما دفع كثير من الدول الاوربية الى رفضهم اجتماعيا وطردهم نهائيا منها، ففي عام 1290، تم طردهم من أنكلترا ، ثم تلتها فرنسا عام 1309، والنمسا عام 1421، وإسبانيا عام 1492، وإيطاليا عام 1540، وأخيرا تم طردهم من روسيا عام 1881، و فُكت العزلة عن الغيتو اليهودي، وفتح الطريق أمام الجاليات اليهودية في أوروبا الغربية مع ظهور النهضة الاوربية وما رافقها من حركات تنوير في أوروبا، والتي قادتها حركة التنوير اليهودي (الهسكالاه) التي نادت بالاندماج اليهودي مع المجتمعات التي يعيشون فيها، وعلى ما يبدو ان (الهسكالاه) احد الأسباب التي ساعدت في ظهور مفهوم اللاسامية لانها هددت (الانا العليا) اليهودية وضيقت حركتها، وجاءت اللاسامية لتؤكد إن اليهود أمة منفصلة لا يمكن لإفرادها أن يندمجوا بالشعوب التي يعيشون بينها، هذا الاندماج اليهودي حفز اللاسامية كثيرا وجعلها أداة سلبية لتكريس الانفصام اليهودي عن المجتمعات التي عاش فيها اليهود.
- العامل الاقتصادي.
شجعت عوامل أخرى على ظهور اللاسامية وعد الاقتصاد اليهودي عاملا آخر من خلال العداء للوظائف الاقتصادية التي شغلتها أوساط مهمة من اليهود في أوروبا، وفي مقدمتها وظيفة إقراض الاموال بالربا الذي ترتب عليه رهونات عقارية يتبعها الحجز ونقل الملكية إلى المرابي بعد عجز المقترض عن تسديد ديونه، لذا إن الملاكين العقاريين لجأوا إلى تنظيم الحملات العدوانية ضد على اليهود المرابين، ويعبؤون المجتمع لهذا الغرض، كي يتخلصوا من التزاماتهم المالية وينقذوا ممتلكاتهم المهددة بالمصادرة، واتهمهم البعض انهم يقرضون الأموال للمجتمعات غير اليهودية بالربا الفاحش الذي يؤدي الى افتقار المدينيين منهم، وهذا الامر جعل الحقد يزداد على اليهود عامة من المجتمعات التي عاشوا فيها، وبعد ان قررت الكنيسة تحريم الربا في أوروبا احتكر اليهود التعاطي به والسيطرة على أسعار الأسواق التجارية، وظهرت شخصيتهم الجشعة والمستغلة على حقيقتها، لا سيما بعد تصرفات وممارسات يهود أوروبا الشرقة وهجرتهم المتواصلة الى المانية وامتهانهم التجارة والربا والصيرفة والعمل في الأسواق التجارية، وسيطرتهم على المصارف ومحلات البيع الكبرى، واستغل اليهود المرابون بعض أموالهم في رشوة الامراء والملوك وافساد المجتمعات والحصول على الامتيازات عن طريق رشوة النخب الحاكمة والحاق الظلم بالفقراء وسخروا المال والصحافة للوصول الى أهدافهم.
رأى الصهاينة الأوائل ان العامل الاقتصادي اليهودي قد شجع الى ظهور اللاسامية في نهاية القرن التاسع عشر، وهذا ما اعلنه ثيودور هرتزل (Theodor Herzl) الصهيوني الألماني (186-1904)، إن احد العوامل الرئيسة وراء ظهور اللاسامية هو التفوق الاقتصادي لليهود، بل العامل الحقيقي وراء كرههم هو قوتهم الاقتصادية، قائلا: "إن المسألة ليست نفسية، لكنها مسألة اقتصادية مادية، وان العداء للسامية، والعذاب اليهودي هما: مشكلة اليهود الابدية ونتيجة حتمية لوضع اليهود الشاذ، أي عدم وجود دولة خاصة باليهود ... نحن نعيش على فضلات الأُمم المضيفة، فإذا لم يكن لنا أمة مضيفة؛ فسنموت جوعا"، بل فسر هرتزل في كتابه (الدولة اليهودية) "ان اللاسامية ظاهرة تاريخية، وليست روحية او ميتافيزيقية"، وعلى أساس هذا رأى ان البديل الافضل يتمثل في انشاء الدولة اليهودية من اجل حل هذه المشكلة، قائلا: "ان اليهودي ما هو إلاّ ضيف ثقيل على الأُمم التي يعيش فيها، وان سبب كره (الجوييم) لليهود بسبب قوتهم الاقتصادية".
- العامل السياسي.
عد الصهاينة ان العامل السياسي عاملا مباشرا قد أدى إلى ظهور اللاسامية في أوروبا في القرن التاسع عشر، وانطوى العامل السياسي اليهودي في أتساع نفوذ اليهود في مجالات الإعلام والصحافة ووكالات الأنباء العالمية المهمة، وتوجيهها سياسيا قد اثار العداء اتجاههم واثار مخاوف الاوربيين، فضلا عن انتماء اليهود الى التنظيمات الحزبية السياسية في الدول الاوربية، ومشاركتهم في صفوف الحركات الثورية الاوربية بأعداد غير قليلة، وهذا ما اكده ثيودور هرتزل قائلا: "اتجاه البروليتاريا اليهودية نحو الانخراط في صفوف الاحزاب الثورية، بل اننا نكاد لا نرى أي حركة ثورية واحدة مهما كانت صبغتها إلا واشترك افراد يهود فيها، بحيث آثار هذا الوضع الهلع من اليهود ثم الكرة لهم لدى العناصر المحافظة"، وتنوعت العوامل السياسية اليهودية بين شرق وغرب أوروبا؛ ففي روسيا القيصرية نشطت اليهود في الحركات الثورة ومشاركتهم في حادث اغتيال القيصر الكسندر الثاني ((Tsar Alexander II عام 1881، التي أودت بحياته، وعلى اثرها قام اتباع النظام الروسي بحملة اعتقالات واسعة اتصفت بالوحشية المتناهية، ومن بين الذين تعرضوا لذلك الجالية اليهودية في روسيا القيصرية لضلوع اشخاص يهود في محاولة الاغتيال، مما دفع الجاليات اليهودية للهجرة القسرية من روسيا، أما في غرب اوروبا وتحديدا المانيا انتمى اليهود الى الأحزاب والمؤسسات السياسية والمشاركة بها بشكل فاعل ومؤثر، مما أدى الى اجتماع زعماؤها الأحزاب المناوئة لهم، على جمع التواقيع من المواطنين الالمان لإلغاء حقوق اليهود في المساواة معهم التي يتراوح عدد ما بين (3000- 225000) توقيعا، وبذلك ضعفت اللاسامية وتراجعت في المانيا بصورة خاصة بسبب الانقسامات المتعددة في المؤسسات المعادية للسامية فيها حتى الحرب العالمية الأولى وفي أوروبا الغربية بصورة عامة في مطلع القرن العشرين.
ثالثا: الهدف الصهيوني من نشر مفهوم اللاسامية:
أخذ قادة الحركة الصهيونية يؤكدون، بل ويحرصون على بقاء اللاسامية، لانها أدت دورا رئيسا في تفعيل الحركة الصهيونية ودفعها الى طريق النشاط العملي، وبدت للكثير من زعماء الصهيونية ومفكريها بأنها وسيلة جديدة لدفع اليهود الى ترك دولهم، وإقامة دولة خاصة لهم إسوة بالآخرين، وان الاستعراض اللاسامية من الناحية التاريخية يدفعنا نحو إيضاح أصداءها من طروحات مفكري الحركة الصهيونية الأوائل، وحاول مفكرو الحركة الصهيونية التركيز على مسألة اللاسامية بوصفها حقيقه موضوعية، واضفوا عليها طابعا علمانيا عن طريق محاولة إيجاد تفسيرات علمية، ولم يمنع الحركة الصهيونية الحواجز التي أقامتها (الهسكالاه) في الاندماج اليهودي مع المجتمعات التي تعيش بينها والانفتاح عليها، بل أصرت عبورها بمهارة عالية، واستمرت في مهاجمة عملية انصهار الجاليات اليهودية وانفتاحها نحو المجتمع الأوربي وثقافته التنويرية، بل نقدت أيضا الحركة الإصلاحية اليهودية بشراسة عالية واتهمتها أيضا باللاسامية، لانها تدعو إلى تكييف العقيدة اليهودية مع الحياة الثقافية الحديثة إذ عدتها حركة معادية لليهود لأنها نادت إلى اندماج اليهود في المجتمعات التي يعيشون فيها ومحاولتها كسر الانعزالية التي يمتازون بها من خلال حذف الإشارات التي تساعد على عزلتهم وأهمها إلغاء فكرة الشعب المختار، والصلوات ذات الطابع القومي، وتجاوز اللغة العبرية، فضلا عن بناء بيت للعبادة أسمه الهيكل في الدول التي يعيش فيها اليهود، وهذا هدفه حسب اعتقادها تعميق الولاء اليهودي للأوطان التي يعيشون فيها، وادعى الصهاينة ان حركتهم الجديدة ظهرت؛ كرد فعل دفاعي وحتمي على اللاسامية، لكن الواقع يرجح إن اللاسامية تم صناعتها من قبل الصهاينة لمنع اليهود من الاندماج في المجتمعات التي يعيشون فيها للمحافظة على خصوصيتهم، وان اللاسامية محاولة صهيونية للاستفادة منها في تحقيق مشروعها الصهيوني في اقامة الدولة اليهودية في فلسطين.
كان موسى هس (Moses Hess) المفكر اليهودي الألماني (1812-1875) من أوائل المفكرين الصهيونيين الذين حاولا استغلال اللاسامية وجعلها عقيدة صهيونية؛ ففي محاولة هس حل المسألة اليهودية هاجم اليهود المتنورون (الهسكالاه) والذين يدعون الانصهار والاندماج في الحضارة الغربية، لان الإنسانية عجزت بحكم تكوينها العضوي في التقدم بدون اليهود، واعتقد ليون بنسكر إن جوهر المشكلة مع اليهود أنهم عنصر لا يمكن أن يذوب مع الأمم الأخرى وهذا العنصر لا يمكن أن تهضمه أي امة، ودعا إلى الاهتمام بمفهوم اللاسامية لانها تصنع الأمة اليهودية وتنشأ القومية اليهودية، عن طريق السكن في بلد واحد وتحت ظل حكم واحد، وعد هذا الخلاص من اللاسامية التي وصفها انها تعيش جنبا إلى جنب مع الشعب اليهودي المتشتت، وقد افترى بنسكر إن الشخص الذي لا يقول إن الشعب اليهودي هو شعب الله المـــخـــتـــار لا بد انه أعمى، وأنه مهما بلغ الاختلاف بين الأمم فأنها تتفق على كره اليهود، والكل يتفق على هذه المسألة، وإن عقدة الخوف من اليهود وكراهيتهم مرض وراثي يتصف به الجنس البشري، وهذا الكره متأصل في العقل الإنساني ومحاربة هذا الكره؛ كمحاربة أي حالة عقلية موروثة وهو أمر صعب لا فائدة منه، فقد حاول جعل اللاسامية مرضا موروثا لدى الشعوب العالم ولا علاج له، لانه ينتقل من الاب الى الابن، ومهما حصل من تقدم لا يمكن علاج هذا المرض الاجتماعي المستعصي، والعلاج الوحيد يتمثل في تغير وضع اليهود جذريا، والأهم ترك المجادلات العقيمة وتركيز اليهود من أجل الحصول على وطن قومي، ويتم ذلك من خلال أحياء روابط الوحدة القومية بين اليهود لأن العالم ما زال لا يعدهم أمة ذات كيان، لذلك أساءت الشعوب كلها لهم أكثر من إساءتها لأي أمة أخرى، وهذا كافي لإعطاء اليهود الحق والأولوية للحصول على ارض أجدادهم في ارض فلسطين.
واشار ثيودور هرتزل إن اللاسامية مفيدة لتحقيق مشروع اليهودية، وأن من واجب قادة الحركة الصهيونية أن يحرصوا على بقاء اللاسامية، وإن العذاب اليهودي هو مشكلة اليهود الأبدية إذ وصف اليهود بأنهم "يعيشون على فضلات الأمم المضيفة؛ فإذا لم تكن لنا أمة مضيفة فسنموت جوعا"، ويضيف "إن معاداة السامية هي التي جعلت من اليهود يهودا"، وعلى أساس ذلك، يجب على اليهود أن يتقبلوا كل مقولات اللاسامية لحين الوصول إلى الحل النهائي لمشكلة اليهود وهو الدولة اليهودية وإلا سوف تستمر الكارثة تلاحق اليهود، ورأى هرتزل "أن اللاسامية ستساعد الصهيونية بطريقتين: الأولى، في البدء ستساعدنا اللاسامية عن طريق انفجار الاضطهاد، ويمكن ان يحدث ذلك في اوروبا الشرقية، وستساعد حكومات اوروبا الغربية والوسطى بشكل اقل وضوحا، واكثر أدبا، لأنّهم يرغبون ايضا في ان يروا اليهود يغادرون عن طريق الهجرة التي ينظمها الصهيونيون، والطريقة الأخرى: دفع رجال الدول الاوربية على الإدلاء بتصريحات معادية للسامية تدفع اليهود الى الهجرة"، وأيضا قول: "يمكن ان تكون فكرة ممتازة دعوة أُناس محترمين وموثوق بهم من اللاساميين لتصفية ممتلكات اليهود، وسيصبح اللاساميون أصدقاء أفضل يعتمد عليهم، وستصبح البلدان اللاسامية حليفتنا"، وفي مكان اخر كتب هرتزل: "أن اللاسامية وحدها هي التي صنعت منا يهودا"، ورأى ان اللاسامية اعادت القوة الى اليهود، وانها مفيدة للصهيونية في صناعة الهوية القومية اليهودية.
واشار أسحق غرونباوم (Jitzchak Gruenbaum) الصهيوني البولندي ( 1879 – 1970) إلى إن اللاسامية قد أثبتت للعالم ضرورة الأفكار اليهودية الداعية إلى المحافظة على هذا الجنس المتفوق من خلال إعادتهم إلى وطنهم الأصلي وهو يقصد بذلك فلسطين، قائلا: "إن اللاسامية هي التي اعطت القدرة للحركة الصهيونية لقيادة هذا العالم، لقد أعادت اليهود الى عالمهم الذي خرجوا منه لقد اثبتت للعالم ضرورة الافكار اليهودية"، ورأى موشيه ليلينبوم (Moshe Lilienblum) الصهيوني الليتواني (1843-1910)، إن فكرة اللاسامية قد تأصلت في الشعوب، ولم يقتنع ليلينبوم مع مقولة: "ان الحضارة والتقدم مسؤولان بشكل غير مباشر عن نمو اللاسامية"، بل ذهب عكس ذلك، في ان الحضارة والتقدم مسئولان بشكل مباشر عن نمو اللاسامية، وان القومية أصبحت من صلب التطور الحضاري، وان نمو التيار القومي يوازي نمو اللاسامية، وإن الحل المناسب لليهود تبـــنــــي الـــقــــوميــــة الـــيـــهوديــــة، والانفصال عــن الـــمـجتمعات التي يعيشون فيها، والاستيطان في دولة خاصة بهم.
وعلى أساس ذلك، نجح الصهاينة الأوائل في استغلال الحوادث التي طالت اليهود في العالم، لا سيما الأوربي منها، وتوظيفها لصالح مفهوم اللاسامية وجعله محرك اجتماعي يهودي لتحفيز وضعهم السياسي المزري، وقوة دافعة للصهيونية ووراءها فكرة شقاء وبؤس اليهود، ولأجل ذلك اخذت الصهيونية تبحث عن المواقف الإنسانية المؤلمة والقاسية التي تعرض لها اليهود لتوجيه الرأي العام اليهودي وتحريك مشاعرهم الدينية نحو الاعتزاز بقومتيهم اليهودية لصناعة مفهوم اللاسامية الجديد؛ فبعد محولة الاغتيال الكسندر الثاني (انفة الذكر) نرى ان الصهيونية استغلت هذه الحادثة بشكل ناجح، ودفعت بالنخب اليهودية ذات التوجه الصهيوني الى تأسيس حركة سياسية صهيونية سرية تحت مسمى (احباء صهيون)، اما في غرب أوروبا استغلت الحركة الصهيونية ايضا حادثة الفريد دريفوس (Alfred Dreyfus) ذلك الضابط اليهودي الفرنسي المتهم بالمتخاذل لصالح المانيا عام 1894، وان هاذين الحدثين في شرق اوروبا وغربها قد انتفعت بهما الصهيونية في صناعة مفهوم اللاسامية الجديد لكسب المشاعر اليهودية تجاه قوميتهم المتشرذمة، ولم يقتصر الامر على ذلك، بل زادت الحركة الصهيونية استعمالها لمفهوم اللاسامية ضد كل من يتــعـــرض للــيـــهـــود بـالنـــقد بغض النظر عن ديانته، ولا تفرق بين الأممي واليهودي في استعمال اللاسامية، واستفاد الصهاينة من اللاسامية كمنفذ لجمع المزيد من الأموال من اليهود لتمويل الحركة الصهيونية، وتحريض اليهود على الهجرة إلى فلسطين المحتلة، وتحريك عواطف الرأي العام الجماهيري والدولي لصالح اليهود بوصفهم هدفا للاضطهاد والتفرقة العنصرية وتحويل هذا العطف إلى تأييد مادي ومعنوي رسمي لحماية المكاسب الصهيونية وتغذيتها.
وبعد ظهور المنظمة الصهيونية بشكل واضح مؤتمر بازل في سويسرا عام 1897، بوصفها المدافعة عن حقوق اليهود وراعية لها، وضحت إن مفهوم اللاسامية لا يقصد به عداء لليهود فحسب، بل خصم لدود للصهيونية، ومن هذا المنظار المتطرف عد الصهاينة ان العرب أخطر أعداء اليهود، لكونهم يهددون مستقبل اليهود والصهاينة بالذات، وهنا يبرز المبرر الصهيوني لاستخدام العنف ضد العرب، من أجل حماية السامية والحفاظ على اليهود من جانب وتطهير ارض فلسطين من غير اليهود، وبذلك إن إثارة مشاعر التمايز والتفوق العنصري هي أداة إيجابية بيد الصهاينة لربط اليهود ببعضهم، ومن ثم توفير قاسم مشترك آخر للقومية اليهودية، وتوظيف اللاسامية لأغراض سياسية بحته لعل ابرزها: منع اليهود من الاندماج في المجتمعات التي يعيشون فيها، وجمع الأموال من اليهود، وسواهم لتمويل الحركة الاستيطانية في فلسطين باعتبارها ارض الميعاد، وحمل اليهود للهجرة اليها، لانها الحل الأمثل للمشكلة اليهودية، والذي عبر عنها ثيودور هرتزل المؤسس الحقيقي للمنظمة الصهيونية بقوله: "إن إعادة الشعب اليهودي الى ارضه يضع حدا لشتات اليهود"، والواقع يشير إلى إن الصهيونية قد نجحت إلى حد ما في استعطاف الرأي العام من خلال إثارة المشاعر الدولية لتعرض اليهود إلى المآسي المستمرة سواء ما جرى منها في ألمانيا؛ فيما يسمى بالمحرقة (الهولوكوست) التي وقعت ضد اليهود في المدة (1941-1945)، اثناء الحرب العالمية الثانية، وبالرغم من المبالغة في الأعداد، لكن الهدف منها الحصول على المزيد من المكاسب لصالح المنظمة الصهيونية في قيام الكيان الصهيوني عام 1948، فضلا عن التعويضات المالية لتقوية اقتصاد ذلك الكيان.