توظيف الذكاء الاصطناعي في المؤسسات الحكومية: الموازنة بين الفعالية الإدارية ومخاوف البطالة
Izdihar Abdullah
مدرس دكتور
مقدمة المقال وخلاصته:
الملخص يشهد العالم المعاصر تحولاً جذرياً وسريعاً نحو دمج التكنولوجيا الرقمية في كافة جوانب الحياة، ولم تُعد المؤسسات الحكومية استثناءً من هذا الزخم التكنولوجي. وفي ظل المساعي الحثيثة لتطوير القطاع العام في العراق والمنطقة العربية، برزت "الحوكمة الرقمية" كضرورة ملحة لتحديث الإجراءات وبناء إطار إداري عصري؛ بدءاً من منصات الدفع الإلكتروني، وصولاً إلى جوازات السفر الذكية وبطاقات الهوية الوطنية الموحدة. ومع صعود الذكاء الاصطناعي كعنصر فاعل ورئيسي في هذه المنظومة، تباينت الآراء؛ إذ يراه البعض طوق نجاة يحرر العمل الإداري من روتين الأساليب التقليدية، بينما يخشى آخرون من تداعيات ما يُعرف بـ "البطالة التكنولوجية" على القوى العاملة. فكيف يمكن للمؤسسات الحكومية تبني هذه الثورة التكنولوجية لتعزيز الكفاءة، دون المساس بالأمن الاجتماعي والاستقرار الوظيفي.
المقدمة
لم يعد من المستبعد تصور هيمنة الذكاء
الاصطناعي على معظم القطاعات؛ فهو الفرع الأكثر تطوراً في مجال التكنولوجيا، وتُعد
تطبيقاته أبرز إنجاز تقني في عصرنا الحالي. ومع تزايد انتشار الذكاء الاصطناعي،
أصبح هناك طلب متزايد عليه في مختلف المجالات المهنية - ولا سيما في قطاع الموارد
البشرية - حيث يُستخدم لتعزيز إنتاجية العمل ورفع كفاءة الموظفين. فعلى سبيل
المثال، عند البحث عن مرشح يتمتع بمؤهلات عالية، يضطر مدير الموارد البشرية عادةً
إلى خوض عملية متعددة المراحل تستغرق وقتاً طويلاً. وهنا يأتي دور الذكاء
الاصطناعي في تسريع هذه المراحل وتوفير الوقت الثمين؛ إذ تشير دراسة حديثة إلى أن
الذكاء الاصطناعي يساهم في تقليص المدة اللازمة لعملية التوظيف من 34 يوماً إلى 9
أيام فقط، وهو ما يمثل تحسناً بنسبة 73.53% في تحديد المرشحين المناسبين، مع ضمان
امتلاكهم للكفاءة التقنية المطلوبة لشغل الوظيفة.
اولا:
كيف يعزز الذكاء الاصطناعي كفاءة الإدارة الحكومية؟
تَعِدُ أنظمة الذكاء الاصطناعي بإحداث نقلة نوعية كبرى في الادارة
الحكومية. وقد لاحظ المراقبون تزايد الاعتماد على هذه الأنظمة في الدول المتقدمة،
حيث بدأت السلطات التنفيذية في توظيف الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع؛ بدءاً من
صياغة السياسات ووصولاً إلى تطوير الخدمات العامة. وتتعدد أمثلة دمج الذكاء
الاصطناعي في القطاعات الخدمية، لتشمل مجالات متنوعة مثل إدارة المرور والبنية
التحتية للطرق، والرعاية الصحية الأولية، والإدارة المدرسية، والخدمات الأمنية،
بما في ذلك الحماية من التهديدات الإرهابية.
ومنذ بدء الموجة الأخيرة من الذكاء
الاصطناعي في العقد الثالث من هذا القرن، تصاعدت التوقعات بأن تُسهم هذه الأنظمة
في تحقيق قفزة نوعية ملموسة في الخدمات الحكومية، من خلال توسيع نطاق وصولها
وتيسير الإجراءات التي يتبعها المواطنون للحصول عليها. ويطرح هذا التطور تساؤلات
جوهرية حول القيادة وصنع القرار على أعلى المستويات: كيف يمكن للقادة والمسؤولين
الاستعداد الأمثل للتعامل مع استراتيجيات الذكاء الاصطناعي وتنفيذها؟
يُمثّل دمج الذكاء الاصطناعي في صميم
العمليات الإدارية الحكومية نقلةً نوعيةً تتجاوز عقوداً من المعاملات الورقية
التقليدية. وتتجلى أهمية ذلك في ثلاثة أبعادٍ جوهريةٍ تؤثر على حياة المواطنين
والموظفين الحكوميين على حدٍ سواء:
• إعادة ضبط الإجراءات
الروتينية والحد من البيروقراطية:
تنفرد الأنظمة الذكية بقدرتها المذهلة على
معالجة آلاف النقاط من البيانات والطلبات في غضون ثوانٍ معدودة. فالمعاملات
الحكومية -التي كانت تستغرق سابقاً أياماً وتتطلب التنقل بين مكاتب عدة للحصول على
التوقيعات والمصادقات الرسمية- باتت تُنجز اليوم عبر خوارزميات برمجية تتولى
عمليات التحقق والمطابقة بدقة متناهية وفي لمح البصر، مما يوفر الجهد والوقت على
كل من الدولة والمواطن على حد سواء.
• القضاء على منابع الفساد
المالي والإداري:
تُعدّ
الأتمتة والذكاء الاصطناعي من أهم الوسائل التي تتيح تقليل "التواصل
المباشر" بين الموظفين والمواطنين. فمن خلال نقل تقديم الخدمات إلى الفضاء
الرقمي، يُضمن تطبيق القانون وفق معايير موحدة على الجميع ودون أي تمييز؛ مما يغلق
الباب فعلياً أمام المحسوبية والرشوة والابتزاز المالي، وهو ما يعزز بدوره
الشفافية والثقة في المؤسسات الرسمية.
•
توفر الخدمات الحكومية المرنة على مدار الساعة:
في الإطار التقليدي، يرتبط إنجاز المعاملات بساعات العمل الرسمية وما
يصاحبها من ازدحام خلال فترات المراجعة الصباحية. وفي المقابل، تتيح تقنيات المساعد
الذكي وأنظمة الرد الآلي للمواطنين تقديم الاستفسارات، وحجز
المواعيد، وتسجيل الشكاوى، ومتابعة حالة طلباتهم - في أي وقت ومن أي مكان - مما
يحول الخدمات العامة إلى نظام ديناميكي متاح على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع.
• التدريب
المستمر والتطوير المهني:
تقع على عاتق المؤسسات الحكومية والجامعات
مسؤولية تنظيم ورش العمل وتطوير المناهج التي تهدف إلى صقل مهارات الموظفين،
لتمكينهم من العمل بفعالية باستخدام البرمجيات الحديثة.
ثانيا: الخاتمة
يمكن لأقسام الموارد البشرية أن تكون محفزاً
للتغيير عبر استخدام بيانات القوى العاملة، وإسناد المهام الروتينية إلى الذكاء
الاصطناعي، وتفعيل إدارة المهارات القائمة على تقنيات الذكاء الاصطناعي. ومن خلال
دمج هذه التقنيات الذكية في إدارة الموارد البشرية، يُسهم هذا التحول في خلق
إجراءات أكثر فعالية تعتمد على البيانات، مع الحفاظ في الوقت ذاته على اللمسة
الإنسانية الضرورية. فالذكاء الاصطناعي أداة صُممت لتمكين البشر، لا لاستبدالهم.
ثالثا: التوصيات:
1. ضرورة وضع خطط
وطنية للتحول الرقمي تراعي الجانب الاجتماعي وتدافع عن حقوق العاملين في المؤسسة.
2. تحديث المقررات الدراسية لتضمين الذكاء الاصطناعي والمهارات الرقمية.
3.
توفير فرص التعليم والتدريب للموظفين في المؤسسات الحكومية —في جميع المجالات— بما
يواكب تطورات التحول الرقمي.
المصادر والمراجع المعتمدة:
المصادر
1- تقرير، صياغة استراتيجية الذكاء الاصطناعي للقيادات الحكومية: هل لدى وكالتك استراتيجية شاملة بشأن الذكاء الاصطناعي؟، وليام إيغرز وآخرون.
2- مقالة "كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي في إدارة الموارد البشرية"، للكاتب الاء سيد.
3- بحث "توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في الادارة العامة لتعزيز كفاءة استخدام الموارد ودعم أهداف التنمية المستدامة"، علي رشيد صالح، العراق.
4- بحث " الحوكمة الالكترونية ودورها في تحسين الاداء الجامعي" العبيدي واخرون، العراق.
5- بحث " التحول الرقمي وبناء القدرات لدى الشباب" حنان نصر حسن، جامعة الإسكندرية، مصر.
6- بحث " "ﻲﺴﺴﺅﻤﻟﺍ ﺀﺍﺩﻷﺍ ﻰﻠﻋ ﺔﻴﻨﻭﺭﺘﻜﻟﻹﺍ ﺓﺭﺍﺩﻹﺍ ﺭﺜﺃ"، نوال بن عريمة، جامعة قاصدي، الجزائر.
7- كتاب " الموارد البشرية في عصر الذكاء الاصطناعي"، بدر شاشا، المغرب.