معتمدة رسمياً بإعمام وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ذي العدد (1410-116951 في 2026/10/4)

من التشتت إلى التدهور: "تعفن الدماغ" في عصر المحتوى القصير والخوارزميات

ataa khalil hussein al-shamari

ataa khalil hussein al-shamari

باحث أكاديمي

6 دقائق قراءة•١٥ مشاهدة•٢‏/١١‏/٢٠٢٦
مقال صوتي مسموعإلقاء أكاديمي فصيح

جاهز للاستماع

من التشتت إلى التدهور: "تعفن الدماغ" في عصر المحتوى القصير والخوارزميات

00:00
00:00
من التشتت إلى التدهور: "تعفن الدماغ" في عصر المحتوى القصير والخوارزميات

مقدمة المقال وخلاصته:

أدى الانتشار الواسع للوسائط الرقمية، ولا سيما منصات التواصل الاجتماعي والفيديو القصير، إلى تغيّر طريقة تعلّم طلاب الجامعات والشباب ومعالجتهم للمعلومات. ومع أن هذه المنصات تتيح سرعة الوصول إلى المعلومات والتواصل، فإن الاستخدام المكثف لها يرتبط بما يُعرف بـ"تعفن الدماغ"، وهو مصطلح اختاره قاموس أكسفورد كلمة العام 2024، ويصف تشتت الانتباه والإرهاق الذهني وضعف الحافز وتراجع الذاكرة والتبلد العاطفي. وأقوى الأدلة البشرية تدعم أن الضرر يمر عبر النوم: فالتعرض الرقمي مساءً أو قبل النوم يكبت الميلاتونين ويؤخر الإيقاع اليومي ويقصّر مدة النوم، فينعكس ذلك على الانتباه والاستقرار الانفعالي في اليوم التالي. لذلك لا يكمن الحل في رفض التقنية، بل في تنظيم أوقات استخدامها، وحماية ساعات النوم، وتعزيز الوعي الرقمي، مع الحاجة إلى مزيد من الدراسات الطولية لفهم العلاقة السببية على المدى البعيد.

لقد أدى الدمج غير المسبوق للوسائط الرقمية في الحياة اليومية إلى إعادة تشكيل جوهرية لكيفية تفاعل الأفراد، ولا سيما طلاب الجامعات، مع المعلومات وتعلمها ومعالجتها. ويُوصف هؤلاء الشباب غالبًا بـ "المواطنين الرقميين"، إذ يديرون شؤونهم الأكاديمية والاجتماعية والشخصية عبر بيئات رقمية في المقام الأول، وهو ما قد يجعلهم أكثر عرضة لتحديات معرفية ونفسية معينة ترتبط بالتعرض المكثف للعالم الرقمي. وقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جزءاً لا يتجزأ من حياة الأطفال والشباب، حيث تؤثر في جوانب متعددة من أنشطتهم اليومية وعمليات نموهم. ويمكن وصف هذه الوسائل بأنها واجهة إلكترونية تتيح للأفراد التواصل فيما بينهم من خلال تبادل الرسائل ومشاركة المعلومات عبر المنصات والشبكات الرقمية.

ومع أن المنصات الرقمية توفر مزايا ملحوظة، مثل سرعة الوصول إلى المعلومات وتعزيز التواصل الاجتماعي، إلا أن هناك تزايدًا في الأدبيات التي تثير مخاوف بشأن آثارها المحتملة على المدى الطويل على مدى الانتباه، والمرونة الذهنية، والوظائف التنفيذية للدماغ. وفي خضم هذا النقاش المتطور، اكتسب مصطلح "تعفن الدماغ" (Brain Rot) اهتمامًا متزايدًا على المستويين الأكاديمي والثقافي، إذ اختار قاموس أكسفورد الإنجليزي هذا المصطلح ليكون "كلمة العام" لعام 2024. ويُستخدم المصطلح بشكل متزايد لوصف تشتت الانتباه، والإرهاق المعرفي، وضعف الحافز، والشعور بـ"بطء" ذهني بعد استخدام مكثف لوسائل الإعلام الرقمية لفترات طويلة. ويشير بمعناه العام إلى تدهور معرفي وعاطفي يُعزى إلى التعرض المطول لمحتوى رقمي متكرر، ومنخفض الجودة، وموجه بواسطة الخوارزميات.

ورغم أن الانتقادات الفلسفية المبكرة، كتأملات ثورو حول السطحية الفكرية، لم تستخدم هذا المصطلح صراحةً، إلا أن الدراسات المعاصرة تضعه في سياق رقمي لوصف حالات تشمل تراجع القدرة على الانتباه، وضعف الذاكرة، وتبلد المشاعر، والإرهاق المعرفي. وفي هذا السياق، لا يُعدّ مصطلح "تدهور الدماغ" مجرد تعبير عامي، بل هو بمثابة عدسة مفاهيمية يُمكن من خلالها دراسة التكاليف النفسية والاجتماعية للانغماس المفرط في العالم الرقمي.

أمثلة من واقعنا:

·      التصفح الذي لا ينتهي: يفتح الطالب هاتفه "لدقائق" بين محاضرتين، فيجد نفسه بعد ساعة ينتقل من مقطع إلى آخر، ثم يعود إلى المذاكرة بذهن مثقل وتركيز ضعيف.

·      المذاكرة مع الإشعارات: يجلس الطالب ثلاث ساعات والهاتف بجانبه، فتقطعه الرسائل كل بضع دقائق، ويقل ما ينجزه فعليًا لأن كل مقاطعة تحتاج إلى وقت لاستعادة التركيز.

·      صعوبة القراءة الطويلة: يجد كثير من الطلاب أنهم لم يعودوا قادرين على قراءة فصل كامل دون أن ينصرف انتباههم، رغم أنهم كانوا يفعلون ذلك بسهولة في السابق.

·      السهر مع الشاشات: يتصفح الشاب هاتفه من الحادية عشرة ليلًا حتى الثانية فجرًا، ثم يستيقظ متعبًا وأقل صبرًا وأضعف انتباهًا أثناء المحاضرة.

·      الإحساس بالفراغ: بعد ساعات من التنقل بين المنصات، يفقد بعض المستخدمين الرغبة حتى في الأنشطة التي كانوا يستمتعون بها.

وتشير الدراسات التجريبية إلى أن التفاعل المستمر مع المحفزات الرقمية عالية التردد، لا سيما عبر منصات التواصل الاجتماعي، قد يُضعف قدرة المستخدمين على التركيز المتواصل، والتأمل العميق، والتنظيم الذاتي. وتميل الأنظمة الرقمية التي تُعطي الأولوية للإشباع الفوري، مثل منصات الفيديو القصيرة، إلى تعزيز أنماط الانخراط القهري، بينما تُشكّل في الوقت نفسه تحديًا للقدرة المعرفية اللازمة للمهام الأكاديمية. كما تُعزز الأدلة المستمدة من علم الأعصاب الإدراكي فكرة أن التشبع الرقمي قد يؤثر على الأداء العصبي الإدراكي؛ فقد ارتبطت زيادة تعدد المهام وتراجع القدرة على تحمل تأجيل الإشباع باضطرابات في العمليات التنفيذية والتنظيم العاطفي، لا سيما لدى المراهقين والشباب الذين لا تزال أدمغتهم تمر بتغيرات نمائية حاسمة.

ومن ناحية أخرى، تدعم أقوى الأدلة البشرية المباشرة وجود مسار مباشر من التعرض الرقمي في المساء أو بعد وقت النوم إلى اضطراب النوم، وكبت الميلاتونين، وتأخر الإيقاع اليومي، وقصر مدة النوم، واضطراب الانتباه والانفعالات في اليوم التالي. وبناءً على ذلك، يُفهم "تدهور الدماغ" على أفضل وجه على أنه حالة ضعف عصبي معرفي مرتبطة بالنوم والإيقاع اليومي، ذات أهمية خاصة للمراهقين والشباب نظرًا لتأخر مراحل النمو، والنضج المستمر للتحكم التنفيذي في الفص الجبهي، وضغوط التوقيت البيئية.

الخاتمة

يتّضح مما سبق أن الانغماس المفرط في الوسائط الرقمية، يرتبط بجملة من التحديات المعرفية والنفسية لدى طلاب الجامعات والشباب عمومًا، من تشتت الانتباه والإرهاق الذهني إلى ضعف الحافز وتراجع القدرة على التركيز المتواصل والتنظيم الذاتي. ان التعامل مع هذه الظاهرة لا يعني رفض التقنية، فهي توفر مزايا حقيقية في سرعة الوصول إلى المعلومات والتواصل، وإنما يستدعي تعزيز الوعي الرقمي وتنظيم أوقات الاستخدام، وحماية ساعات النوم بوصفها خط الدفاع الأول، واعتماد عادات رقمية صحية داخل المؤسسات التعليمية والأسرة.

المصادر والمراجع المعتمدة:

Arouch, S., Edgcumbe, D., Pezaro, S., & Maravic Da Silva, K. (2026). Short-form video, cognitive and mental health outcomes: A systematic review. BMJ Public Health, 4(3), e004086.

Ricketts, E. J., Joyce, D. S., Rissman, A. J., Burgess, H. J., Colwell, C. S., Lack, L. C., & Gradisar, M. (2022). Electric lighting, adolescent sleep and circadian outcomes, and recommendations for improving light health. Sleep Medicine Reviews, 64, 101667

Yousef, A. M. F., Alshamy, A., Tlili, A., & Metwally, A. H. S. (2025). Demystifying the new dilemma of brain rot in the digital era: A review. Brain Sciences, 15(3), 283.

مقالات أخرى في العلوم الصرفة

سباق الجامعات العالمية للفوز بالتصنيفات العالمية

عبدالحسين مزهر عريبي جواد المعموري4066 مشاهدة

تحديات العقم عند الرجال

talal aldarawsha2975 مشاهدة

مواجهة الادمان الرقمي

بدر ناصر2268 مشاهدة