معتمدة رسمياً بإعمام وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ذي العدد (1410-116951 في 2026/10/4)

السمنة ومقاومة الانسولين : الخطر الصامت الذي يهدد صحتنا

د.خمائل حسن عبيد

د.خمائل حسن عبيد

باحث أكاديمي (Academic Researcher)

19 دقائق قراءة•٨٥ مشاهدة•٢٠‏/١٠‏/٢٠٢٦
مقال صوتي مسموعإلقاء أكاديمي فصيح

جاهز للاستماع

السمنة ومقاومة الانسولين : الخطر الصامت الذي يهدد صحتنا

00:00
00:00
السمنة ومقاومة الانسولين : الخطر الصامت الذي يهدد صحتنا

مقدمة المقال وخلاصته:

لم تعد السمنة مجرد قضية تتعلق بالمظهر أو الوزن المثالي، بل أصبحت قضية صحية ترتبط بتوازن العمليات الكيميائية الحيوية داخل الجسم. ومقاومة الإنسولين تمثل إحدى أبرز الإشارات المبكرة إلى وجود خلل في هذا التوازن، وهي رسالة تحذيرية تستحق الاهتمام قبل أن تتحول إلى مرض مزمن. إن الاستثمار الحقيقي في الصحة لا يبدأ عند ظهور المرض، بل يبدأ بالوعي، والاختيارات الغذائية المتوازنة، والحركة اليومية، والكشف المبكر. فليس كل جسم يبدو سليماً من الخارج يتمتع بالضرورة بصحة أيضية جيدة من الداخل، وليس كل اضطراب أيضي مصيراً محتوماً؛ فالتغيير المبكر قد يصنع فارقاً كبيراً في صحة الإنسان ومستقبله.

    في عالم تتسارع فيه وتيرة الحياة وتتغير فيه العادات الغذائية، أصبحت السمنة واحدة من أبرز التحديات الصحية التي تواجه المجتمعات الحديثة، ولم يعد تأثيرها مقتصراً على المظهر الخارجي أو زيادة الوزن، بل امتد ليشمل اضطرابات معقدة في العمليات الأيضية داخل جسم الإنسان. ومن بين أخطر هذه الاضطرابات ما يُعرف بـ)مقاومة الإنسولين(، وهي حالة قد تتطور بصمت على مدى سنوات دون ظهور أعراض واضحة، لتصبح أحد العوامل الأساسية التي تمهد للإصابة بداء السكري من النوع الثاني وأمراض القلب والأوعية الدموية.

كيف تتحول الدهون المتراكمة في الجسم من مجرد مخزون للطاقة إلى عامل يؤثر في قدرة الخلايا على الاستجابة لهرمون الإنسولين؟

    لطالما ارتبط مفهوم السمنة بزيادة كمية الدهون في الجسم، إلا أن الدراسات العلمية الحديثة كشفت أن النسيج الدهني ليس مجرد مستودع لتخزين الطاقة، بل يُعد نسيجاً نشطاً من الناحية الأيضية، يفرز مجموعة من الهرمونات والمواد الكيميائية التي تؤثر في وظائف أعضاء الجسم المختلفة. وعندما تتراكم الدهون، ولا سيما الدهون الحشوية المحيطة بالأعضاء الداخلية في منطقة البطن، تحدث تغيرات في طبيعة عمل الخلايا الدهنية، مما يؤدي إلى زيادة إفراز بعض المواد المحفزة للالتهاب, وتسهم هذه المواد في حدوث التهاب مزمن منخفض الدرجة، يؤثر تدريجياً في حساسية الخلايا للإنسولين، ويزيد احتمالية الإصابة بالاضطرابات الأيضية.ومن هنا تبرز حقيقة علمية مهمة: ليست كمية الدهون وحدها هي التي تحدد المخاطر الصحية، بل إن موقع تراكمها وطبيعة نشاطها الأيضي يؤديان دوراً أساسياً في ذلك.

مقاومة الإنسولين

    الإنسولين هرمون تفرزه خلايا بيتا في البنكرياس، وتتمثل إحدى وظائفه الأساسية في تنظيم مستوى سكر الكلوكوز في الدم من خلال تسهيل دخوله إلى خلايا العضلات والأنسجة الدهنية، فضلاً عن تنظيم إنتاج الكلوكوز في الكبد.

في الحالة الطبيعية، ترتبط إشارات الإنسولين بمستقبلات خاصة على سطح الخلايا، مما يؤدي إلى تنشيط سلسلة من التفاعلات الكيميائية الحيوية التي تساعد على تنظيم استخدام الكلوكوز كمصدر للطاقة او تخزينه والشكل ادناه يوضح خطوات والية دخول الكلوكوز للخلية:

1. الازدحام: جزيئات سكر الكلوكوز تتواجد بكثرة في مجرى الدم بعد تناول الطعام، يرتفع السكر في الدم وتبحث الجزيئات عن مكان لإنتاج الطاقة.
2. الاستدعاء: البنكرياس يفرز "مفاتيح(الإنسولين) في الدم, يستشعر الجسم السكر، فيرسل الإنسولين ليعمل كدليل وفتح الأبواب.

3.  فتح القفل: مفتاح الإنسولين يلتصق بمستقبل الخلية (الـقفل), يضغط الإنسولين على زر جرس الخلية ليعطي إشارة للأبواب بالتحرك.
 4. استجابة البوابة: نوافذ مغلقة داخل الخلية (GLUT-4) تصعد وتفتح في الجدار, تتلقى الخلية الإشارة، فترسل ناقلات السكر لتفتح معابر خاصة على السطح.
 5. الدخول الآمن: الكلوكوز يمر عبر البوابات إلى داخل الخلية, يدخل السكر لتبدأ الخلية في حرقه وتحويله إلى طاقة حيوية للجسم.

أما في حالة مقاومة الإنسولين، فإن استجابة الأنسجة لهذا الهرمون تصبح أقل كفاءة، مما يدفع البنكرياس إلى إفراز كميات أكبر من الإنسولين للمحافظة على مستويات طبيعية من السكر في الدم. وقد يستمر هذا التعويض سنوات، إلا أن قدرة خلايا بيتا على تلبية الاحتياجات المتزايدة قد تتراجع بمرور الوقت، مما يؤدي إلى ارتفاع مستوى الكلوكوز في الدم، وظهور مرحلة ما قبل السكري، ثم الإصابة بداء السكري من النوع الثاني لدى بعض الأشخاص. ومن الجدير بالذكر أن مقاومة الإنسولين قد تكون موجودة حتى عندما تكون نتائج فحص السكر الصائم ضمن الحدود الطبيعية.

كيف تؤدي السمنة إلى مقاومة الإنسولين؟

   تُعد العلاقة بين السمنة ومقاومة الإنسولين من العلاقات المعقدة التي تتداخل فيها عوامل هرمونية والتهابية ووراثية وبيئية. فعند زيادة تراكم الدهون، ترتفع مستويات الأحماض الدهنية الحرة في الدورة الدموية، وقد تتراكم بعض مشتقات الدهون داخل خلايا الكبد والعضلات، مما يؤثر في مسارات الإشارات الخلوية المسؤولة عن الاستجابة للإنسولين. كما أن الالتهاب المزمن المصاحب للسمنة قد يؤدي إلى اضطراب بعض البروتينات المشاركة في نقل الإشارة من مستقبل الإنسولين إلى داخل الخلية. ومن جهة أخرى، قد تنخفض مستويات هرمون الأديبونكتين  (Adiponectin)، وهو أحد الهرمونات التي تفرزها الأنسجة الدهنية ويسهم في تحسين حساسية الإنسولين وتنظيم ايض الدهون والكلوكوز. وتؤدي هذه التغيرات مجتمعة إلى انخفاض قدرة الجسم على استخدام الكلوكوز بكفاءة، وزيادة احتمالية حدوث اضطرابات في مستويات الدهون والسكر في الدم. ومع ذلك، من المهم الإشارة إلى أن مقاومة الإنسولين لا تصيب جميع الأشخاص المصابين بالسمنة، كما يمكن أن تظهر لدى أشخاص لا يعانون من زيادة واضحة في الوزن، خصوصاً عند وجود تراكم للدهون الحشوية أو عوامل وراثية وايضية أخرى. تكمن خطورة مقاومة الإنسولين في أنها غالباً لا تسبب أعراضاً واضحة في مراحلها المبكرة. وقد تترافق أحياناً مع زيادة محيط الخصر، أو ظهور تصبغات جلدية داكنة ومخملية الملمس في مناطق الرقبة والإبطين، لكن هذه العلامات ليست موجودة لدى جميع المصابين، كما أن الشعور بالتعب أو الجوع المتكرر لا يكفي لتشخيص مقاومة الإنسولين. ولهذا تؤدي الفحوصات المختبرية دوراً مهماً في تقييم الحالة الأيضية، خصوصاً لدى الأشخاص الذين لديهم عوامل خطورة للإصابة بالسكري.

ومن أبرز هذه الفحوصات:

1.     اختبار سكر الدم الصائم (Fasting Blood Glucose) : يساعد على الكشف عن اضطرابات مستوى سكر الكلوكوز في الدم.

2.     اختبار السكر التراكمي (HbA1c) : يعكس متوسط مستوى سكر الكلوكوز في الدم خلال الشهرين إلى الثلاثة أشهر السابقة تقريباً.

3.     اختبار تحمل الكلوكوز الفموي (OGTT) :  يساعد على الكشف عن بعض اضطرابات تنظيم السكر التي قد لا تظهر في فحص السكر الصائم ويستخدم عادة لتشخيص سكر الحمل.

4.     قياس دهون الدم (Lipid Profile) : يساعد هذا الاختبار في الكشف عن اضطرابات الدهون التي قد ترافق مقاومة الإنسولين.

     أما قياس الإنسولين الصائم وحساب مؤشر HOMA-IR، كانا يُستخدمان في بعض الدراسات والأوساط الطبية لتقدير مقاومة الإنسولين، لكنهما ليسا اختبارين تشخيصيين روتينيين موحدين لجميع الأشخاص، كما أن العلاقة بين السمنة ومقاومة الإنسولين متبادلة ومعقدة، ولا يمكن اعتبار مقاومة الإنسولين السبب الوحيد للسمنة.

السمنة ومقاومة الإنسولين في المجتمع العراقي

    شهد المجتمع العراقي، شأنه شأن مجتمعات عديدة، تغيرات ملحوظة في أنماط التغذية والنشاط البدني خلال العقود الأخيرة. فقد أصبح الاعتماد على الوجبات الغنية بالسعرات الحرارية، والمشروبات المحلاة، والأطعمة المصنعة أكثر شيوعاً، بالتزامن مع انخفاض مستويات الحركة اليومية لدى بعض الفئات نتيجة طبيعة العمل المكتبي والاعتماد المتزايد على وسائل النقل.

ولا تكمن المشكلة في الأطعمة التقليدية العراقية بحد ذاتها، بل في حجم الحصص الغذائية، وتكرار تناول الأطعمة مرتفعة السعرات، وعدم تحقيق التوازن بين الطاقة المتناولة والطاقة المستهلكة. فعلى سبيل المثال، يمكن أن يكون الأرز والخبز جزءاً من نظام غذائي صحي ومتوازن، لكن الإفراط في الكميات، خصوصاً مع قلة النشاط البدني، قد يسهم في زيادة الوزن. كما أن قلة النوم والتوتر النفسي المستمر قد يؤثران في تنظيم الشهية والعمليات الأيضية، مما يزيد صعوبة المحافظة على وزن صحي. وهنا تبرز أهمية نشر الثقافة الصحية التي لا تركز على الحرمان الغذائي أو الحميات القاسية، بل تشجع على تبني عادات مستدامة تتناسب مع طبيعة المجتمع العراقي.

وفيما يأتي مجموعة من الأمثلة التطبيقية حول البدائل الغذائية الصحية للوجبات الشائعة في المجتمع:

1.      الأرز الأبيض والوجبات المعتمدة على الرز

البديل الصحي المقترح: يمكن تقليل كمية الأرز المقدمة في الطبق، واستبدال جزء منه بالبرغل أو الحبوب الكاملة، أو زيادة كمية الخضراوات المطبوخة والسلطة إلى جانب الوجبة. كما يمكن تناول الأرز مع الدجاج المشوي أو السمك أو اللحم قليل الدهن، بدلاً من الاعتماد على الأرز وحده أو تناوله مع كميات كبيرة من الدهون.

2. الخبز الأبيض والصمون والمعجنات

البديل الصحي المقترح: اختيار خبز الحبوب الكاملة أو خبز القمح الكامل عندما يكون متاحاً، وتقليل عدد الأرغفة أو حجم القطع المتناولة، مع إضافة مصدر للبروتين والخضراوات. ويمكن أن تكون وجبة الإفطار مكونة من قطعة مناسبة من خبز الحبوب الكاملة، وبيضة مسلوقة، وخيار وطماطم، بدلاً من تناول عدة قطع من الصمون مع المربى والشاي المحلى.

3. القلي العميق والأطعمة السريعة

البديل الصحي المقترح: استخدام الشوي أو الخَبز في الفرن أو القلي الهوائي مع كمية محدودة من الزيت، بدلاً من القلي العميق.

  4. الدولمة والمحاشي العراقية

البديل الصحي المقترح: تقليل كمية الزيت المضافة إلى الحشوة والقدر، واستخدام اللحم قليل الدهن عند إضافته، وزيادة نسبة الخضراوات مقارنة بكمية الأرز. كما يُفضّل تقديم الدولمة مع السلطة أو اللبن الطبيعي غير المحلى، مع الانتباه إلى حجم الحصة وعدم تناول كميات كبيرة من الأرز والخبز في الوجبة نفسها.

5.  البرياني والقوزي والكبسة

البديل الصحي المقترح: تقليل كمية الدهون المضافة، واختيار اللحم قليل الدهن أو الدجاج منزوع الجلد، وضبط كمية الأرز، وإضافة الخضراوات أو السلطة. كما يمكن تجنب الجمع بين حصص كبيرة من الأرز والخبز في الوجبة نفسها.

ولا يعني ذلك أن هذه الأطباق تسبب مقاومة الإنسولين بصورة مباشرة، بل إن تكرار تناول وجبات مرتفعة السعرات بكميات كبيرة، مع قلة النشاط البدني، قد يسهم في زيادة الوزن وارتفاع المخاطر الأيضية.

الخاتمة

     أن مقاومة الإنسولين ليست بالضرورة حالة دائمة، إذ يمكن تحسين حساسية الجسم لهذا الهرمون من خلال مجموعة من التغييرات الصحية. وتشير الأدلة العلمية إلى أن فقدان نحو 5–7% من وزن الجسم لدى الأشخاص الذين يعانون من زيادة الوزن قد يؤدي إلى تحسن ملحوظ في المؤشرات الأيضية، ويساعد على تقليل خطر تطور مرحلة ما قبل السكري إلى السكري من النوع الثاني. كما تؤدي ممارسة النشاط البدني المنتظم دوراً مهماً في تحسين استخدام الكلوكوز داخل العضلات، حتى قبل حدوث انخفاض كبير في الوزن. كما إن الانتقال نحو نمط حياة صحي لا يعني الحرمان أو تناول طعام خالٍ من النكهة، بل يكمن السر في الذكاء الغذائي وإيجاد البدائل المستدامة.

التوصيات

وتوصي الإرشادات الصحية العامة بممارسة ما لا يقل عن 150 دقيقة أسبوعياً من النشاط البدني متوسط الشدة، مثل المشي السريع، مع إضافة تمارين تقوية العضلات وفق الحالة الصحية للفرد. كذلك يسهم اتباع نظام غذائي متوازن غني بالخضراوات والبقوليات والحبوب الكاملة ومصادر البروتين الصحية في تحسين الصحة الأيضية. ولا ينبغي إغفال أهمية النوم الكافي، والحد من التدخين، وإدارة التوتر النفسي. أما العلاجات الدوائية الحديثة المخصصة للسمنة أو السكري، فقد تمثل خياراً لبعض المرضى وفق معايير طبية محددة، لكنها لا تُغني عن تحسين نمط الحياة، ويجب استخدامها تحت إشراف الطبيب المختص.

الكلمات المفتاحية:زيادة الوزنمقاومة الانسولينسكر الدمارتفاع الدهون

المصادر والمراجع المعتمدة:

المصادر العلمية

1. World Health Organization (WHO). Obesity and overweight. Fact sheet. 2024.

2. American Diabetes Association Professional Practice Committee. Prevention or Delay of Diabetes and Associated Comorbidities: Standards of Care in Diabetes—2025. Diabetes Care. 2025;48(Suppl 1).

3. Samuel VT, Shulman GI. The pathogenesis of insulin resistance: integrating signaling pathways and substrate flux. Journal of Clinical Investigation. 2016;126(1):12–22.

4. Czech MP. Insulin action and resistance in obesity and type 2 diabetes. Nature Medicine. 2017;23:804–814.

5. Klein S, Gastaldelli A, Yki-Järvinen H, Scherer PE. Why does obesity cause diabetes? Cell Metabolism. 2022;34(1):11–20.

مقالات أخرى في طب وصحة